لم تعد مدغشقر مجرد دولة إفريقية تواجه تحديات سياسية واقتصادية داخلية، بل تحولت تدريجيًا إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الفرنسية والروسية والأمريكية، في ظل موقع جغرافي بالغ الأهمية وثروات معدنية واسعة ونزاع سيادي لم يُحسم منذ عقود حول جزر إيبارس. وبينما تحاول باريس إعادة بناء نفوذها في القارة الإفريقية بعد سلسلة من الانتكاسات، تبدو مدغشقر إحدى النقاط التي تراهن عليها فرنسا للحفاظ على حضورها في المحيط الهندي، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على الموارد والأسواق والمواقع العسكرية الاستراتيجية.
ويأتي النزاع حول الجزر المتناثرة في مقدمة الملفات التي تكشف تعقيدات العلاقة بين باريس وأنتاناناريفو. ففي يوليو 2025، اختتمت الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة المشتركة بين البلدين في باريس دون التوصل إلى اختراق حقيقي، بعدما اقتصر التقدم على الاعتراف بوجود خلاف سيادي بين الطرفين. وتمسكت فرنسا بموقف يعتبر أن السيادة على الجزر ليست موضوعًا مطروحًا للتفاوض، بينما رفضت مدغشقر مقترح الإدارة المشتركة، مؤكدة أن أي ترتيبات إدارية لا يمكن أن تسبق استعادة سيادتها الكاملة على الجزر.
جزر إيبارس.. عقدة استعمارية مستمرة
تضم جزر إيبارس باساس دا إنديا، وجزر أوروبا، وجزيرة خوان دي نوفا، وتروملين، وجزر غلوريوسو، وتكتسب أهميتها من موقعها في المحيط الهندي وما توفره من امتداد بحري ومجال استراتيجي لفرنسا. وتعتبر مدغشقر هذه الجزر جزءًا من أراضيها، وتستند في مطالبها إلى تاريخ سابق للاستقلال، إضافة إلى قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة صدرت عامي 1979 و1980 وطالبت فرنسا بإعادة الجزر.
ولا تتوقف المطالب الملغاشية عند استعادة السيادة، بل تشمل الحصول على تعويضات عن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بفصل الجزر، ورفض أي قرارات فرنسية أحادية الجانب بشأنها، فضلًا عن ضمان حقوق الصيد للمواطنين الملغاشيين ومشاركة الباحثين والعلماء من مدغشقر في الأنشطة العلمية التي تُجرى في المنطقة.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل قرار فرنسا تحويل جزيرة غراند غلوريوز إلى محمية طبيعية عام 2021، وهو ما اعتبرته أنتاناناريفو خطوة أحادية الجانب تتجاهل استمرار النزاع السيادي.
باريس تبحث عن موطئ قدم جديد
يرتبط الملف الفرنسي في مدغشقر بسياق أوسع من تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في إفريقيا. فقد خسرت باريس مواقع نفوذ مهمة خلال السنوات الماضية، خصوصًا في دول الساحل، بالتزامن مع تنامي الاعتماد على شركاء دوليين جدد، وفي مقدمتهم روسيا والصين.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مدغشقر في أبريل 2025، باعتبارها أول زيارة لرئيس فرنسي إلى البلاد منذ نحو عقدين، لتؤكد رغبة باريس في إعادة صياغة حضورها داخل الدولة الواقعة في المحيط الهندي.
ولم تعتمد فرنسا خلال الزيارة على المقاربة الأمنية والعسكرية وحدها، بل قدمت مجموعة من الاتفاقيات والمشروعات الاقتصادية والتنموية في محاولة لتثبيت صورتها كشريك اقتصادي وتنموي. وشملت التفاهمات مجالات البنية التحتية والزراعة والتعليم والطاقة، إضافة إلى التزام وكالة التنمية الفرنسية بتمويل بناء سد فولوبي للطاقة الكهرومائية.
وتكشف هذه التحركات عن محاولة فرنسية لفصل الملفات الاقتصادية والتنموية عن النزاع السيادي، بما يسمح لباريس بالحفاظ على قنوات نفوذها داخل مدغشقر حتى في ظل استمرار الخلاف حول الجزر.
ثروات معدنية تشعل المنافسة
لا يمكن فصل الاهتمام الدولي بمدغشقر عن ثرواتها الطبيعية. فالبلاد تمتلك احتياطيات من الذهب والنيكل والكوبالت والكروم، إلى جانب الياقوت الأزرق والأحمر وعدد من المعادن والعناصر الأرضية النادرة.
وتشير تقديرات مرتبطة بفرص التصدير إلى وجود 259 منتجًا محتملًا ضمن 23 قطاعًا، بينها 209 منتجات تمتلك فرصًا في الأسواق العالمية، بقيمة إجمالية مرجحة تقارب 1.1 مليار دولار. ولا تقتصر الفرص على التعدين، بل تمتد إلى قطاعات البلاستيك والمواد الكيميائية والملابس والمنسوجات والآلات وتصنيع الأغذية.
وتمنح هذه الموارد مدغشقر أهمية إضافية في ظل تصاعد المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في صناعات التكنولوجيا والطاقة والدفاع. ولذلك لا تبدو السيطرة على طرق الوصول إلى الموارد أو الاستثمار فيها مسألة اقتصادية فقط، وإنما جزءًا من حسابات النفوذ الجيوسياسي.
الولايات المتحدة تدخل على خط المعادن والموانئ
لا تقتصر المنافسة على فرنسا وروسيا، إذ تتحرك الولايات المتحدة أيضًا لتعزيز مصالحها في مدغشقر. وتبرز في هذا السياق قاعدة دييغو سواريز البحرية، التي تتمتع بموقع استراتيجي في شمال البلاد، إلى جانب مشروع توليارا للتعدين في جنوب غرب مدغشقر.
ويعد مشروع توليارا من أبرز المشروعات المعدنية التي تحظى باهتمام أمريكي، وتبلغ قيمته الاستثمارية نحو 700 مليون دولار. واستحوذت شركة إنرجي فيولز الأمريكية على المشروع في أكتوبر 2024، وهو مشروع يضم رواسب تحتوي على التيتانيوم والزركونيوم والمعادن الأرضية النادرة والمعادن المشعة.
وتوقف المشروع بسبب تأخيرات بيروقراطية منذ أواخر عام 2024، كما تأثرت خطط إعادة تفعيله خلال عام 2026 بالتطورات السياسية التي شهدتها البلاد. ويعكس ذلك مدى ارتباط الاستثمارات المعدنية بالاستقرار السياسي والقدرة على التحكم في الموارد الاستراتيجية.
روسيا في مواجهة النفوذ الغربي
في المقابل، تسعى روسيا إلى الحفاظ على حضورها في مدغشقر وفي القارة الإفريقية عمومًا، مستفيدة من رغبة عدد من الدول في تنويع شركائها بعيدًا عن القوى الغربية التقليدية. ويتركز الحضور الروسي بصورة أكبر في مجالات التعاون الأمني والعسكري، بينما تمتلك فرنسا أدوات أوسع تشمل العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، في حين تركز واشنطن بدرجة أكبر على الموارد الحيوية والمصالح البحرية والاستراتيجية.
ويخلق هذا التداخل وضعًا شديد الحساسية بالنسبة إلى أنتاناناريفو، إذ تستطيع مدغشقر توظيف التنافس الدولي للحصول على الدعم والاستثمارات، لكنها في الوقت نفسه تواجه خطر التحول إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى كبرى.
ويضاف إلى ذلك ملف تجنيد المقاتلين الأفارقة لصالح القوات المسلحة الأوكرانية، وهو ملف تثار بشأنه تقارير عن توجه كييف إلى استقطاب مقاتلين أجانب من دول خارج أوكرانيا. ولا توجد، وفق المعطيات المطروحة، مؤشرات حاسمة على أن مدغشقر تمثل هدفًا محددًا لهذه العملية، إذ يرتبط التوجه الأوكراني بعدد من الدول الإفريقية، خصوصًا تلك التي لا تتمتع فيها روسيا بحضور قوي.
غير أن طرح هذا الملف في سياق مدغشقر يعكس اتساع نطاق التنافس الدولي داخل القارة، بحيث لم تعد المنافسة مقتصرة على القواعد العسكرية أو الاستثمارات أو صفقات السلاح، وإنما باتت تشمل أيضًا التأثير في المؤسسات الأمنية والعسكرية وشبكات النفوذ المحلية.
المحيط الهندي.. مثلث النفوذ الفرنسي
تمثل الجزر المتناثرة جزءًا من منظومة أوسع للحضور الفرنسي في المحيط الهندي، إلى جانب ريونيون ومايوت، بما يمنح باريس امتدادًا جغرافيًا وعسكريًا مهمًا في منطقة تربط بين إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.
ومن هذه الزاوية، فإن تمسك فرنسا بالجزر لا يرتبط فقط بمسألة تاريخية أو قانونية، وإنما يتصل أيضًا بالموقع البحري والموارد والمجال الاقتصادي والاستراتيجي. وفي المقابل، ترى مدغشقر أن استمرار السيطرة الفرنسية على هذه الجزر يمثل امتدادًا لإرث استعماري لم يُغلق ملفه بالكامل منذ استقلال البلاد عام 1960.
ويأتي قرار المملكة المتحدة في مايو 2025 بشأن نقل سيادة أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس ليضيف بعدًا جديدًا إلى القضية، إذ أعاد تسليط الضوء على النزاعات المتعلقة بالجزر التي بقيت مرتبطة بقوى استعمارية سابقة، ومنح المطالب الملغاشية دفعة سياسية في مواجهة باريس.
وبذلك يتحول النزاع على جزر إيبارس من خلاف ثنائي حول السيادة إلى جزء من معادلة أكبر تتداخل فيها إعادة تشكيل النفوذ الفرنسي في إفريقيا، والتنافس الدولي على المعادن الحيوية، والمواقع البحرية، والاستثمارات الاستراتيجية، ومستقبل الشراكات الأمنية والاقتصادية في المحيط الهندي.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5682

