الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

اقتصادمضيق هرمز ونفط الخليج.. تغير موازين القوى في سوق الطاقة العالمية

مضيق هرمز ونفط الخليج.. تغير موازين القوى في سوق الطاقة العالمية

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية

إن التحولات الأخيرة في مصادر الواردات الصينية من النفط الخام تتجاوز مجرد تحول تجاري عابر في سوق النفط العالمية؛ فما شهده العالم خلال الأشهر الماضية جراء غلق مضيق هرمز من قِبل إيران كرد فعل على الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها كان اختبارًا عمليًا يقيس مدى مرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على الصمود أمام حدوث اضطرابات في هذا الممر المائي الذي يشكل شريان الطاقة الرئيس في العالم، وتمر عبره الحصة الأكبر من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج.

بناءً على الإحصائيات المنشورة، فقد انخفضت واردات الصين من النفط الخام من دول الشرق الأوسط في مايو 2026 بنسبة 56% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، حيث وصلت نحو 1.91 مليون برميل يوميًا. لم يكن هذا الانخفاض مجرد تقلب عابر في سوق الطاقة، بل إنه يعكس القيود المفروضة على التدفقات النفطية وتصاعد الأخطار الجيوسياسية في منطقة مضيق هرمز.

تراجع صادرات نفط الخليج إلى الصين

لقد ظهرت تداعيات هذا الوضع سريعًا في سلة إمدادات الطاقة الصينية؛ إذ توقفت صادرات النفط الكويتية إلى بكين شبه كليًا، وتراجعت الإمدادات العراقية بنحو 95%، وانخفضت صادرات الإمارات بنسبة 87%، كما هبط حجم النفط المستورد من سلطنة عُمان بنسبة 45%. بناءً على ذلك، فقدت تلك الدول التي شكلت على مدى العقود الماضية مصادر تغذية المصافي الصينية الرئيسية، جزءًا من حصتها في سوق الطاقة العالمية.

أما النقطة الأكثر أهمية، فقد تمثلت في رد فعل الصين السريع تجاه هذا الوضع؛ إذ نجحت بكين خلال فترة وجيزة في تعويض جزء كبير من نقص النفط المستورد من الشرق الأوسط عبر الاعتماد على مصادر بديلة، فأصبحت البرازيل أحد أبرز الرابحين من هذا الأمر، حيث ارتفعت صادراتها النفطية إلى بكين بنسبة تجاوزت 11%. كما تمكنت روسيا، ودول غرب إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ودول ناشئة حديثة مثل جنوب السودان، من ملء جزء من الفراغ الناجم عن نقص إمدادات الطاقة الخليجية.

بدائل غير مجدية

مع ذلك، فقد أظهرت نتائج هذا التحول في مصادر واردات الصين عددًا من المشكلات؛ فالعديد من المصافي الصينية قد صُممت وجُهزت على مدار سنوات طويلة من أجل معالجة النفط الخام المستقدم من الشرق الأوسط وتكريره، لذا فإن استبدال نفط الخليج بالنفط البرازيلي أو الإفريقي أحدث مشكلات فنية واقتصادية جديدة.

فقد أفادت بعض مصادر التكرير الصينية بأن استخدام النفط البرازيلي على نطاق واسع قد تسبب في تآكل المعدات بشكل ملحوظ، نتيجة ارتفاع نسبة النيتروجين فيه، حيث تقوم صناعة التكرير على ثلاثة عناصر متكاملة لا يمكن استبدالها أو الاستغناء عنها بسهولة؛ ألا وهي جودة النفط الخام، وتصميم المصفاة، واقتصاديات إنتاج المشتقات النفطية.

لذا على الرغم من تمكن الصين من إدارة الأزمة الحالية من منظور تأمين الإمدادات، إلا أنها لا تزال تتمسك بنفط الشرق الأوسط باعتباره الخيار الأفضل والأنسب لها على المدى البعيد، مما جعل العديد من المصافي الصينية تنتظر في الوقت الراهن عودة الأوضاع إلى طبيعتها في مضيق هرمز، واستئناف وارداتها من المصادر المعتادة.

تغير موازين القوى في سوق الطاقة العالمية

تكمن النقطة الأهم في قراءة هذا التحول في تغير حصة نفط دول الشرق الأوسط في السوق الصينية؛ إذ انخفضت حصة هذه الدول في الفترة ما بين يناير ومايو 2026 من 55.5% إلى 46.7%؛ وهو رقم لا يمثل مجرد إحصاء تجاري عابر فحسب، بل إنه مؤشر على إعادة توزيع موازين القوى في سوق الطاقة العالمية.

مضيق - هرمز

إن كل برميل نفط تم استبعاده من منطقة الخليج كان يعني إتاحة فرصة لمنتجين آخرين، وزيادة الطلب على أساطيل النقل البحري، وتغيير مسارات التجارة العالمية، وولادة فرص مراجحة جديدة، أو بعبارة أخرى التربح من فارق الأسعار بين الأسواق المختلفة، وبالتالي انتقال جزء من النفوذ الجيوسياسي في سوق الطاقة.

إيران في المعادلة الجديدة

بالنسبة لإيران، فهذه التحولات تحمل في طياتها عدة رسائل إستراتيجية مهمة؛ يمكن إجمالها فيما يلي:

  • أولًا: لا يزال لمضيق هرمز أهمية اقتصادية كبرى في سوق الطاقة العالمية لا يمكن استبداله أو الاستغناء عنه، على عكس العديد من آراء الخبراء الإستراتيجيين والتحليلات السياسية، رغم أن كبار مستهلكي الطاقة، ولا سيما الصين، يعملون حاليًا على تطوير آليات جديدة والبحث عن مصادر أخرى تحد من اعتمادهم المطلق على مسار واحد أو منطقة جغرافية بعينها.
  • ثانيًا: إن قيمة مضيق هرمز الجيوسياسية لم تعد مقصورةً على تعطيل تدفقات الطاقة أو التحكم بها؛ ففي العالم الحالي الجاري إعادة هيكلته من قِبل القوى العظمى، سيكون اللاعب الأكثر نجاحًا هو من يمكنه توظيف موقعه الجيوسياسي من أجل بناء شراكات اقتصادية، وتقديم ضمانات، وصياغة ترتيبات جديدة تؤمن مصادر الطاقة.
  • ثالثًا: إن سوق النفط العالمية قد دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها عناصر مثل: أمن الإمدادات، وأمن الشحن والنقل، والتغطية التأمينية، وإعادة التأمين (أي عملية تأمين ثانية تقوم بها شركات التأمين الأساسية من أجل توزيع الأخطار)، والاستقرار السياسي؛ كلها على درجة واحدة من الأهمية تضاهي القدرة الإنتاجية نفسها. وقد أثبتت تجربة الأشهر الماضية أن تهديد مسارات الشحن والنقل وارتفاع تكاليف التأمين يمكنه عمليًا أن يُخرِج جزءًا من إمدادات الطاقة من منطقة ما من السوق العالمية.

في ظل هذا الوضع الجديد، لا يمثل مضيق هرمز سلاحًا إستراتيجيًا أو أداة ضغط جيوسياسية في أيدي إيران فحسب، بل يعد دعامة اقتصادية أساسية يمكن أن تعزز مكانة طهران في معادلات الطاقة الآسيوية من خلال إنشاء آليات إقليمية تؤمن سبل الملاحة في المنطقة، إلا أن هذا الأمر مرهون بطبيعة الحال بما سيؤول إليه مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

إن الصين قد أثبتت في غمار هذه الحرب قدرتها على تنويع مصادر وارداتها النفطية، لكنها أثبتت في الوقت نفسه أن الاستغناء الكامل عن نفط الشرق الأوسط ومزاياه اللوجستية لا يزال أمرًا صعبًا ومكلفًا جدًا.

بناءً على ذلك، فإن مستقبل التنافس في مجال الطاقة لن يتركز حول إسقاط مضيق هرمز من المعادلة السياسية، بل سيتمحور حول إدارة مزاياه الجيوسياسية بذكاء لا يخلو من مقامرة محسوبة العواقب.

مقالات ذات صلة