الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية

زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدوليةتُشكل...

الهند بين واشنطن وبكين.. استقلال استراتيجي يصطدم بحسابات الاقتصاد

تتحرك الهند بين مسارين متوازيين في علاقتها مع الصين...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخباريةمعركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

معركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

تفتح واقعة إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز مسيرة أمريكية غير مأهولة تحت الماء في مضيق هرمز فصلا جديدا في سباق التكنولوجيا البحرية بين طهران وواشنطن، بعدما أصبحت المركبات ذاتية التشغيل جزءا متزايد الأهمية من عمليات الاستطلاع والمسح البحري ومكافحة الألغام.

وبحسب الرواية الإيرانية، نفذت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري عملية وصفتها بالمعقدة، اعتمدت على قدرات استخباراتية وحرب إلكترونية، وانتهت بالسيطرة على مركبة أمريكية من طراز ريموس 600 كانت تعمل في مضيق هرمز. وقالت طهران إن المركبة كانت تستخدم لأغراض التجسس، وإنها أصبحت بحوزة متخصصين إيرانيين بهدف استعادة البيانات الموجودة على متنها.

لكن الرواية الأمريكية تقدم صورة مختلفة. فقد أكد الجيش الأمريكي فقدان مركبة بحرية غير مأهولة، إلا أن المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، الكابتن تيم هوكينز، قال إن المركبة تعطلت قبل أكثر من يوم، وإنها كانت تستخدم لمسح المياه دعما للعمليات الجارية. كما أكد أنها كانت من طراز أقدم ولا تحمل معدات مصنفة أو بيانات حساسة.

صراع الروايات حول مهمة المركبة

يكشف التناقض بين الروايتين عن طبيعة الحرب المعلوماتية المصاحبة للعمليات البحرية في الخليج. فبالنسبة إلى إيران، يمثل الاستيلاء على مركبة أمريكية غير مأهولة فرصة لإظهار قدرتها على مراقبة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والتعامل معها داخل منطقة تعتبرها ذات أهمية استراتيجية مباشرة.

أما واشنطن فتسعى إلى تقليل القيمة العسكرية للحادثة، من خلال التأكيد على أن المركبة لم تكن تحمل أنظمة حساسة، وأن فقدانها لم يؤثر في استمرار العمليات الأمريكية.

ولا تتوافر في المعلومات المعلنة أدلة مستقلة تحسم ما إذا كانت المركبة قد احتُجزت نتيجة عملية اعتراض إلكترونية واستخباراتية كما تقول طهران، أم أنها فقدت بسبب عطل قبل أن تصل إليها القوات الإيرانية.

لماذا ريموس 600 مهم؟

يمثل ريموس 600 أحد نماذج المركبات البحرية المستقلة المستخدمة في عمليات المسح تحت الماء، ويمكن توظيفه في مهام من بينها البحث عن الألغام والمسح البحري وجمع البيانات البيئية.

وتتميز هذه المركبات بقدرتها على العمل من دون وجود طاقم بشري على متنها، وهو ما يجعلها مناسبة للعمليات التي تتطلب البقاء في مناطق خطرة أو جمع المعلومات لفترات طويلة دون تعريض أفراد الطواقم للخطر.

ويصل طول ريموس 600 إلى نحو 9 أو 18 قدما، بحسب المهمة والمعدات التي يحملها، ويمكنه العمل بسرعة تصل إلى نحو 4.5 عقدة. وبدأ تطوير الطراز في عام 2003 من خلال تعاون بين البحرية الأمريكية ومعهد وودز هول لعلوم المحيطات.

وتكمن أهمية هذه الأنظمة في أنها توفر قدرات مراقبة واستطلاع بتكلفة ومخاطر أقل مقارنة بإرسال سفن مأهولة إلى المناطق الحساسة.

ليست المرة الأولى

لا تمثل واقعة مضيق هرمز أول حادثة ينتهي فيها نظام ريموس في أيدي طرف آخر. ففي عام 2018، عثر عناصر تابعون لجماعة الحوثيين في اليمن على مركبة ريموس 600 قبالة الساحل اليمني، وأظهرت تسجيلات نشرتها وسائل إعلام محلية مركبة حملت اسم “سموكي”.

ولم يظهر في التسجيلات ما يثبت أن المركبة اعترضت أثناء عملها. وطرح محللون آنذاك احتمالا بأن تكون قد أنهت مهمتها المبرمجة أو ظهرت على السطح ضمن إجراء تلقائي، قبل أن تتمكن الجهة الأمريكية من استعادتها.

ويشير ذلك إلى إحدى نقاط الضعف في المركبات البحرية ذاتية التشغيل: قدرتها على العمل من دون طاقم تمنحها مرونة كبيرة، لكنها تجعل استعادتها أكثر تعقيدا في حال حدوث عطل أو فقدان الاتصال أو تغير الظروف التشغيلية.

مضيق هرمز يتحول إلى ساحة تكنولوجيا

تتضاعف أهمية الحادثة بسبب موقعها الجغرافي. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل منطقة تتقاطع فيها المصالح العسكرية والتجارية والطاقة، ما يجعل أي نشاط استخباراتي أو عسكري في مياهه موضع اهتمام كبير.

وتوفر المركبات غير المأهولة تحت الماء قدرة على جمع المعلومات من دون الحاجة إلى إرسال غواصة مأهولة أو سفينة إلى المنطقة. ويمكن لهذه الأنظمة أن تستخدم في مراقبة قاع البحر، ورصد الألغام، وتحديد طبيعة النشاط البحري، وجمع بيانات قد تساعد في التخطيط للعمليات.

ولهذا فإن السيطرة على مركبة من هذا النوع لا ترتبط فقط بقيمة المنصة نفسها، وإنما بما يمكن استخراجه من بيانات وبرمجيات ومعلومات تقنية، وهو ما يفسر إعلان إيران أنها ستعمل على استعادة البيانات الموجودة على المركبة.

من الألغام إلى الحرب الإلكترونية

تظهر الحادثة أيضا كيف تتداخل التكنولوجيا البحرية مع الحرب الإلكترونية. فالمركبات ذاتية التشغيل تعتمد على مجموعة من الأنظمة للملاحة وتحديد المواقع والاتصال وتبادل البيانات، ما يجعل البيئة الإلكترونية جزءا من قدرتها على تنفيذ مهمتها.

وتقول إيران إن عملية الاحتجاز اعتمدت على الحرب الإلكترونية إلى جانب العمل الاستخباراتي. وإذا ثبتت هذه الرواية، فإن أهمية الحادثة ستتجاوز فقدان مركبة واحدة إلى اختبار قدرة دولة على التأثير في نظام بحري غير مأهول يعمل في منطقة عمليات حساسة.

لكن هذه النقطة لا تزال ضمن الرواية الإيرانية، إذ لم تقدم واشنطن ما يؤكد تعرض المركبة للاختراق أو السيطرة الإلكترونية.

سباق جديد تحت سطح البحر

تعكس الواقعة اتجاها أوسع في تطوير القدرات البحرية، حيث تتجه القوى العسكرية إلى الاستثمار في أنظمة مستقلة قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع ومكافحة الألغام والمسح البحري.

وتتيح هذه الأنظمة للدول توسيع نطاق المراقبة من دون زيادة المخاطر البشرية، كما يمكن تشغيل أعداد كبيرة منها مقارنة بالمنصات البحرية التقليدية. وفي المقابل، تفرض هذه التكنولوجيا تحديات جديدة تتعلق بحماية الاتصالات والبيانات ومنع الخصوم من الاستيلاء على الأنظمة أو تحليلها.

وبالنسبة إلى إيران والولايات المتحدة، فإن انتشار هذه المركبات في الخليج ومضيق هرمز يضيف بعدا جديدا إلى التنافس العسكري. فالمواجهة لم تعد تقتصر على السفن والطائرات والزوارق، وإنما انتقلت أيضا إلى الأنظمة التي تعمل تحت سطح الماء من دون وجود طواقم بشرية.

حادثة صغيرة بمعنى أوسع

قد لا تغير خسارة مركبة غير مأهولة واحدة موازين القوة البحرية بين إيران والولايات المتحدة، خصوصا في ظل تأكيد واشنطن أن المركبة لم تكن تحمل بيانات أو معدات حساسة. لكن الحادثة تكشف عن أهمية متزايدة للتكنولوجيا غير المأهولة في بيئة بحرية شديدة الحساسية.

وتبقى النقطة الأكثر أهمية هي ما إذا كانت إيران تمكنت فعلا من الوصول إلى بيانات أو مكونات تقنية يمكن استخدامها لتحليل قدرات المركبة. كما أن طبيعة عملية الاستيلاء نفسها، بين الرواية الإيرانية التي تتحدث عن عملية استخباراتية وحرب إلكترونية والرواية الأمريكية التي تشير إلى عطل، ستظل عاملا رئيسيا في تقييم القيمة العسكرية للحادثة.

وفي جميع الأحوال، يؤكد احتجاز المركبة أن المنافسة في مضيق هرمز تتجه بصورة متزايدة إلى ما يجري تحت سطح البحر، حيث يمكن لمركبات صغيرة ومستقلة أن تؤدي أدوارا استخباراتية وعسكرية ذات تأثير يتجاوز حجمها بكثير.

مقالات ذات صلة