الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

الهند بين واشنطن وبكين.. استقلال استراتيجي يصطدم بحسابات الاقتصاد

تتحرك الهند بين مسارين متوازيين في علاقتها مع الصين...

ماذا بعد أمريكا؟.. فخ الفراغ الوهمي في الشرق الأوسط

كتب ـــ ليون حدّار في  مجلة ناشيونال إنتريستمع انتهاء...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

اقتصادمن الخليج إلى المتوسط.. ممرات جديدة تتحدى صراع إيران وترامب في هرمز

من الخليج إلى المتوسط.. ممرات جديدة تتحدى صراع إيران وترامب في هرمز

أعادت أزمة مضيق هرمز رسم حسابات الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، بعدما كشفت الحرب أن أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي يمكن أن يتحول في وقت قصير إلى نقطة اختناق تهدد تدفقات النفط والغاز وسلاسل الإمداد. وفي ظل هذه المخاطر، بدأت دول مثل العراق وسوريا ولبنان البحث عن طرق بديلة تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، عبر أنابيب النفط والغاز والطرق البرية والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات.

ولا تبدو هذه المشاريع مجرد استجابة مؤقتة لأزمة هرمز، بل تحمل في طياتها محاولة لإعادة صياغة موقع دول المنطقة داخل شبكة التجارة الإقليمية. فالعراق يبحث عن منافذ إضافية لصادراته النفطية، بينما تسعى سوريا إلى استعادة دورها كدولة عبور، ويحاول لبنان إعادة إحياء روابط النقل مع محيطه العربي. غير أن تحويل هذه الطموحات إلى واقع يصطدم بحروب مستمرة، وبنية تحتية مدمرة، وضعف مؤسسات الدولة والفساد والانقسامات السياسية.

العراق يبحث عن طريق آخر للنفط

يمثل العراق الحالة الأكثر ارتباطًا بأزمة مضيق هرمز، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط من الحقول الجنوبية التي تمر عبر الخليج. وقبل الحرب، كان العراق يصدر نحو 3.3 ملايين برميل يوميًا من هذه الحقول، لكن اضطراب الملاحة أدى إلى انهيار كبير في صادرات الجنوب، قبل أن تبدأ في التعافي تدريجيًا خلال الأشهر التالية.

ودفعت الأزمة بغداد إلى تسريع البحث عن منافذ بديلة، من بينها زيادة استخدام خط الأنابيب المتجه إلى ميناء جيهان التركي، وإحياء مشروع نقل النفط عبر الأراضي العراقية إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر. كما تجري مباحثات لإنشاء خط جديد ينقل النفط العراقي غربًا عبر سوريا وصولًا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، بما يمنح بغداد مسارًا إضافيًا بعيدًا عن هرمز.

خط العراق وسوريا.. مشروع بمليارات الدولارات

المشروع العراقي-السوري المقترح يمثل أحد أكثر المشاريع طموحًا في إعادة تشكيل ممرات الطاقة الإقليمية. وتقدر تكلفة المشروع بنحو 15 مليار دولار، مع فترة تنفيذ قد تصل إلى أربع سنوات، بينما تستهدف المرحلة الأولى قدرة نقل تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا.

ويختلف المشروع الجديد عن مجرد إعادة تشغيل خط كركوك-بانياس التاريخي؛ إذ يتطلب إنشاء شبكة أوسع تربط حقول النفط العراقية بمركز في حديثة، ثم تمتد غربًا عبر الأراضي السورية إلى الساحل المتوسط. وفي حال إنجازه، سيكون بمقدور العراق تحويل جزء معتبر من صادراته بعيدًا عن الخليج، لكنه لن يلغي أهمية هرمز، خصوصًا أن الجزء الأكبر من النفط العراقي يتجه إلى الأسواق الآسيوية مثل الصين والهند، التي تصل إليها الشحنات من الخليج بسرعة أكبر.

سوريا أمام فرصة لاستعادة دور العبور

بالنسبة إلى سوريا، يمكن لمشاريع الطاقة والنقل الجديدة أن تمنح البلاد فرصة لاستعادة موقعها الجغرافي التقليدي كحلقة وصل بين العراق والبحر المتوسط وتركيا ولبنان. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها سنوات الحرب، وفتح قنوات اقتصادية جديدة مع دول الجوار.

ومن بين المشاريع المطروحة إعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية التي تربط سوريا بلبنان والعراق وتركيا، بما قد يحول الساحل السوري إلى بوابة محتملة للتجارة بين الخليج والأسواق الأوروبية. لكن هذا الدور يتطلب استثمارات ضخمة في شبكة السكك، التي تعرضت لأضرار واسعة خلال الحرب، بينما تقدر الحكومة السورية كلفة إعادة تأهيلها بمليارات الدولارات.

لبنان يدخل سباق الممرات الجديدة

يحاول لبنان بدوره الاستفادة من موقعه على المتوسط عبر إعادة تنشيط ميناء طرابلس وربطه بشبكة النقل السورية. وقد بحث مسؤولون لبنانيون وسوريون مسارًا محتملًا لإعادة تشغيل خط السكك الحديدية بين طرابلس وحمص، باعتباره خطوة أولى يمكن أن تفتح الطريق أمام ربط لبنان بالعراق وتركيا والخليج.

لكن التجارب السابقة تكشف حجم العقبات. فقد تعثرت خطط مماثلة بسبب التمويل وسوء الإدارة، بينما تحتاج شبكة النقل اللبنانية والسورية إلى إعادة تأهيل واسعة. لذلك فإن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحويل لبنان وسوريا إلى مراكز عبور إقليمية؛ فالاستثمار يحتاج إلى بيئة أمنية ومؤسسات قادرة على إدارة مشاريع طويلة الأجل.

من النفط إلى البيانات

ولا تقتصر إعادة تشكيل الممرات الإقليمية على الطاقة والنقل التقليدي. فقد بدأت مشاريع أخرى تستهدف إنشاء شبكات ألياف ضوئية تمر عبر العراق وسوريا، بهدف توفير طرق برية بديلة لنقل البيانات بين الخليج وأوروبا.

وتكتسب هذه المشاريع أهمية مع تزايد الاعتماد على البنية التحتية الرقمية، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من حركة البيانات العالمية يمر عبر كابلات بحرية يمكن أن تتعرض للأضرار أو الانقطاع خلال النزاعات. وبذلك تتحول الجغرافيا نفسها إلى أصل استراتيجي متعدد الاستخدامات، لا يقتصر على النفط والغاز.

الحرب تهدد الممرات البديلة

لكن المفارقة الأساسية أن الدول التي تبحث عن طرق بديلة تواجه بيئة أمنية يمكن أن تجعل هذه الطرق عرضة للمخاطر نفسها. فقد تعرضت منشآت الطاقة في الشرق الأوسط لعشرات الهجمات منذ اندلاع الحرب، واستهدفت ضربات منشآت نفط وغاز ومرافق نقل في دول مختلفة.

وفي العراق، تعرضت منشآت الطاقة، ومنها حقل خور مور للغاز، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، بينما واجهت منشآت وخطوط أنابيب في دول خليجية تهديدات مرتبطة بالتصعيد الإقليمي. كما أن السيطرة الحوثية على أجزاء من الساحل اليمني وتهديد الملاحة في البحر الأحمر يضيفان مسارًا آخر من المخاطر أمام أي استراتيجية تهدف إلى تجاوز هرمز.

البنية التحتية وحدها لا تكفي

أكبر تحدٍ أمام مشاريع ممرات الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط لا يرتبط فقط بتكلفة إنشاء الأنابيب والسكك والطرق، وإنما بقدرة الدول المعنية على حماية هذه البنية وإدارتها. فوجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة، واستمرار النزاعات الحدودية، وضعف المؤسسات، والفساد، كلها عوامل يمكن أن تحول أي مشروع استراتيجي إلى نقطة ضعف جديدة.

ولهذا فإن نجاح العراق وسوريا ولبنان في الاستفادة من موقعها الجغرافي يتوقف على مجموعة متداخلة من الإصلاحات السياسية والأمنية والاقتصادية. فالممر التجاري يحتاج إلى حدود آمنة، وخط الأنابيب يحتاج إلى حماية مستمرة، والسكك الحديدية تحتاج إلى إدارة مستقرة، بينما تتطلب الاستثمارات الدولية قواعد واضحة وبيئة قانونية قادرة على حماية رأس المال.

وتشير إعادة ترتيب طرق الطاقة والتجارة إلى تحول أوسع في حسابات دول المنطقة، التي لم تعد تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره المسار الوحيد الممكن، بل تبحث عن شبكة أكثر تنوعًا تربط الخليج بالمتوسط والبحر الأحمر وتركيا وأوروبا. غير أن بناء هذه الشبكة سيظل مرتبطًا بقدرة دول المنطقة على تحويل الجغرافيا من ميزة نظرية إلى بنية تحتية آمنة وفعالة وقابلة للاستمرار.

 

مقالات ذات صلة