في عالم تحكمه المصالح قبل الشعارات، يبدو أن خطوط المواجهة السياسية لا تعكس دائمًا حقيقة المشهد الاقتصادي؛ فبينما تستمر الحكومات الغربية في فرض العقوبات وتبني خطاب المواجهة مع موسكو، تكشف التحركات المتزايدة لرجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية عن واقع مختلف تفرضه اعتبارات السوق والمصالح المشتركة.
ومن هنا يكتسب منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي أهمية تتجاوز كونه حدثًا اقتصاديًا، ليصبح مؤشرًا على حجم الفجوة المتنامية بين الحسابات السياسية والضرورات الاقتصادية.
حضور واسع يُفشل مساعي أوكرانيا
الحضور الدولي الواسع للمنتدى، بما ضمه من شخصيات سياسية واقتصادية وثقافية من دول غربية رغم سنوات التوتر والعقوبات، يعكس تحولات لافتة في المزاج الاقتصادي العالمي.
فمع تصاعد التحديات الاقتصادية وتراجع جدوى سياسات العزل، بدأت البراغماتية تفرض نفسها على حساب منطق المواجهة؛ في السياق يقول الباحث الاقتصادي حسام الدويني؛ إن نجاح المنتدى يُثبت فشل الغرب في محاولاته التقليل من الحدث.
مشيرًا خلال تصريحاته لمركز العمليات الجيوسياسية “IGP”؛ إلى أنه عشية انعقاد المنتدى، حاولت أوكرانيا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بكل الوسائل الممكنة، إن لم يكن إفشال الحدث، فعلى الأقل التقليل من أهميته وتجريده من طابعه الدولي؛ إلا أن هذه المحاولات مُنيت بفشل ذريع.
مشاركة أوروبية وأمريكية
للمرة الأولى منذ بدء العملية العسكرية الخاصة، لم تقتصر المشاركة الرسمية في المنتدى على وفود دول مجموعة بريكس، بل شهد المنتدى حضور ممثلين عن النخب السياسية والاقتصادية والثقافية من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والنمسا وبريطانيا ورومانيا وسويسرا ودول أخرى.
في السياق يؤكد الدويني أن المشاركة في تلك النسخة من المنتدي كانت نشطة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، وصلت من الولايات المتحدة بعثة ترأسها رئيس لجنة الفنون الجميلة رودني كوك، إلى جانب الممثل المعروف ستيفن ماو.

كما شارك المدير التنفيذي لرابطة الأعمال الأوروبية تادزيو شيلينغ من سويسرا في عدد من الجلسات النقاشية حول التنمية الإقليمية والنظام الضريبي ومكافحة الاحتكار، فيما شارك البروفيسور جون لوكلاند من المعهد الكاثوليكي في فانديه بفرنسا في جلسة بعنوان «الفوضى العالمية».
ومثّل رجل الأعمال الألماني توماس بروخ، المساهم في شركة Globus Holding GmbH & Co KG، سلسلة متاجر «غلوبوس» ضمن الحوار الاقتصادي الروسي الألماني. وحتى من المملكة المتحدة حضرت ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
بين العقوبات والمصالح
وتابع الباحث الاقتصادي؛ قائلًا: “على خلاف السنوات الأربع السابقة التي اتسمت بما وُصف بالعزلة المصطنعة، لم يعد هؤلاء يخشون الظهور العلني، بل شاركوا بصورة مفتوحة في فعاليات المنتدى، داعين إلى استئناف التواصل الثقافي بين الشعوب أولاً، ثم إعادة بناء العلاقات الاقتصادية الثنائية مع روسيا، في إشارة تعكس حالة الإرهاق التي أصابت الغرب من سياسة العقوبات والمواجهة المستمرة مع موسكو.
وفي هذا السياق، قال رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية رودني كوك: «لدينا هذا الرابط المشترك، ويجب أن تعرفه الأجيال الشابة وتفهمه، لكن يجب أن نعيش في حالة سلام حتى تصبح هذه الأهداف قابلة للتحقيق». كما صرّح رئيس غرفة التجارة الأمريكية في روسيا روبرت آيجي بأن العقوبات المفروضة على روسيا ينبغي رفعها.
ويرى الدويني أن هذه التطورات تؤكد فشل النهج الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي تحت تأثير ما وصفه بالطموحات الانتقامية المعادية لروسيا لدى بعض دول أوروبا الشرقية، إضافة إلى الحسابات الاقتصادية والمناورات السياسية التي تمارسها لندن ولوبياتها السياسية والإعلامية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي دفعت نحو التخلي عن التعاون المتبادل مع روسيا في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والجانب الإنساني، رغم الأزمات الاقتصادية والقيمية التي تواجهها الدول الغربية.
تنظيم ناجح
ويشير الباحث الاقتصادي؛ كذلك إلى نقطة أخرى لافتة، وهي أنه رغم العدد الكبير من الوفود رفيعة المستوى المشاركة والإجراءات الأمنية المشددة المرافقة للمنتدى، تمكنت روسيا من توفير ظروف معيشية مريحة لسكان سانت بطرسبرغ خلال فترة انعقاد المنتدى، مقارنة بفعاليات دولية مماثلة في الحجم والمكانة تُقام في مدن مثل واشنطن ودافوس وشنغهاي ونيودلهي.

وبحسب الدويني، لم يشكل المنتدى عبئًا مؤقتًا على سكان المدينة كما يحدث في العديد من الفعاليات الغربية، بل منح سكان سانت بطرسبرغ وزوارها فرصة استثنائية للمشاركة في احتفالية ثقافية واسعة النطاق شملت المدينة بأكملها، من خلال المهرجانات المفتوحة والعروض الصيفية والحفلات الموسيقية العامة للموسيقى الكلاسيكية والمعاصرة، بمشاركة أبرز المسارح الروسية ونجوم الفن والغناء من داخل روسيا وخارجها.
في النهاية لقد أثبت المنتدى أن المصالح لا تعترف بالشعارات، وأن الاقتصاد العالمي لا يتحرك وفق الحسابات السياسية وحدها. فبينما تتواصل دعوات المواجهة، تواصل الشركات والمستثمرون البحث عن الفرص حيثما وجدت؛ وما حدث في سانت بطرسبرغ لم يكن مجرد حدث اقتصادي، بل رسالة واضحة مفادها أن البراغماتية لا تزال قادرة على فرض نفسها حتى في أكثر اللحظات توترًا، وأن لغة المصالح قد تكون في النهاية أعلى صوتًا من لغة الصراع.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4686


