الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةمن إيران إلى تايوان.. كيف تراجع الردع الأمريكي وأشعل مخاوف اليابان؟

من إيران إلى تايوان.. كيف تراجع الردع الأمريكي وأشعل مخاوف اليابان؟

لم تعد تايوان مجرد أزمة أو نزاع مهمل في شرق آسيا، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى اختبار حقيقي لموازين القوة الدولية، ولمستقبل النفوذ الأمريكي في العالم. وبينما تتصاعد تحذيرات الصين بشأن “إعادة التوحيد” مع تايوان، بدأت دول آسيوية كبرى، وعلى رأسها اليابان، تتعامل مع أي مواجهة محتملة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وليس مجرد صراع إقليمي محدود.

التطور الأهم لا يتعلق فقط بتزايد القوة العسكرية الصينية، وإنما بتبدل الصورة الذهنية للولايات المتحدة نفسها؛ فحلفاء واشنطن التقليديون متخوفين من أن واشنطن ليست مستعدة لخوض حرب واسعة دفاعًا عن شركائها وأن لديها الحسابات السياسية والاقتصادية الجديدة التي تدفعها نحو تجنب المواجهات الكبرى مهما كانت الكلفة الاستراتيجية؟.

هذا السؤال أصبح حاضرًا بقوة في طوكيو وتايبيه، خصوصًا بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى بكين، والتي تجنب فيها إعطاء تعهد واضح بالدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني. بالنسبة لليابان، لم يعد الغموض الأمريكي مجرد تفصيل دبلوماسي، بل تحول إلى مصدر قلق استراتيجي قد يعيد تشكيل الأمن الآسيوي بالكامل.

اليابان تغيّر نهجها

لسنوات طويلة، تبنت اليابان سياسة حذرة في التعامل مع ملف تايوان، محاولة تجنب أي مواقف قد تُفسَّر على أنها استفزاز مباشر للصين. لكن التحولات الإقليمية المتسارعة دفعت طوكيو تدريجيًا إلى التخلي عن هذا الحذر التقليدي.

نقطة التحول الكبرى جاءت عندما أكدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي أن أي طارئ عسكري في تايوان قد يمثل تهديدًا لبقاء الدولة اليابانية نفسها. هذا التصريح لم يكن مجرد رسالة سياسية، بل إعلان واضح بأن اليابان باتت ترى تايوان جزءًا من أمنها الاستراتيجي المباشر.

السبب في ذلك يعود إلى الموقع الجغرافي الحساس لتايوان، التي تقع قرب خطوط الملاحة البحرية الحيوية لليابان، إضافة إلى قربها من الجزر الجنوبية اليابانية. أي سيطرة صينية كاملة على تايوان ستمنح بكين نفوذًا بحريًا واسعًا يمكن أن يهدد حركة التجارة والطاقة اليابانية.

كما تخشى طوكيو من أن نجاح الصين في فرض سيطرتها بالقوة على تايوان سيؤسس لمرحلة جديدة من التمدد العسكري الصيني في بحر الصين الشرقي، ما يضع اليابان نفسها تحت ضغوط أمنية غير مسبوقة.

 تايوان معركة تاريخية

على صعيد آخر، لا تخفي بكين نواياها تجاه تايوان. الرئيس الصيني شي جين بينغ كرر أكثر من مرة أن “إعادة التوحيد” هدف تاريخي لا يمكن التراجع عنه، معتبرًا أن القضية تمثل جزءًا من مشروع “النهضة الصينية الكبرى”.

خلال السنوات الماضية، رفعت الصين بشكل كبير من وتيرة تدريباتها العسكرية حول الجزيرة، ونفذت مناورات بحرية وجوية واسعة حملت رسائل مباشرة إلى واشنطن وحلفائها. كما زادت من الضغوط السياسية والاقتصادية على تايبيه بهدف عزلها دوليًا وإضعاف موقفها الداخلي.

 تايوان معركة تاريخية

لكن الأخطر أن بكين باتت ترى أن ميزان القوى يميل تدريجيًا لصالحها، سواء من حيث القدرات العسكرية أو النفوذ الاقتصادي العالمي. هذا الإحساس المتزايد بالقوة يجعل احتمالات التصعيد أكثر واقعية، خصوصًا إذا اعتقدت القيادة الصينية أن الولايات المتحدة لن تخاطر بحرب كبرى في آسيا.

الصين تدرك أيضًا أن الوقت ليس مفتوحًا إلى الأبد. فكلما تعززت التحالفات الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، قد تصبح أي عملية عسكرية مستقبلية أكثر تعقيدًا. لذلك، تنظر بكين إلى السنوات المقبلة باعتبارها مرحلة حاسمة في تقرير مصير تايوان.

واشنطن تربك الحلفاء الآسيويين

التحول الأبرز في المشهد لا يرتبط بالصين فقط، بل بالولايات المتحدة نفسها. فواشنطن التي كانت تاريخيًا تقدم نفسها باعتبارها الضامن الأول لأمن حلفائها، أصبحت تبدو أكثر حذرًا في التزاماتها العسكرية الخارجية.

تصريحات ترامب الأخيرة عززت هذا الانطباع، خصوصًا عندما تجنب الحديث بوضوح عن الدفاع عن تايوان، مع تأكيده في الوقت نفسه ضرورة تجنب “حرب بعيدة في آسيا”. هذا الخطاب أعاد إلى الأذهان توجهات أميركية متزايدة نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر في النزاعات الدولية المكلفة.

في طوكيو وتايبيه، يُنظر إلى هذا التغير باعتباره مؤشرًا خطيرًا. فالدولتان تعتمدان بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية، وأي تراجع في وضوح الالتزام الأميركي قد يدفع الصين إلى اختبار حدود الردع الفعلي على الأرض.

الأمر لا يتعلق فقط بالتصريحات السياسية، بل أيضًا بالسلوك الأمريكي في أزمات أخرى، خصوصًا المواجهة مع إيران. فبالرغم من الضغوط الهائلة والعقوبات والتفوق العسكري الأميركي الإسرائيلي، لم تصل واشنطن إلى حسم نهائي مع طهران، وهو ما تراقبه الصين وكوريا الشمالية بعناية.

صفقة الأسلحة المجمدة

من ناحية أخرى كشف القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكية أن قرار قرار التجميد المؤقت لصفقة أسلحة ضخمة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار،  مرتبط بالحاجة إلى ضمان توافر الذخائر والمخزونات اللازمة لعملية “الغضب الملحمي”، المرتبطة بالحرب الجارية مع إيران. ورغم تأكيده أن الولايات المتحدة “تمتلك ما يكفي”، فإن مجرد الإعلان عن وقف مؤقت لصفقة بهذا الحجم يكشف عن ضغوط حقيقية داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.

الصفقة كانت تمثل جزءًا مهمًا من استراتيجية دعم القدرات الدفاعية التايوانية، خاصة في مجالات الصواريخ والأنظمة البحرية والدفاعات المتقدمة التي تهدف إلى رفع كلفة أي تحرك عسكري صيني ضد الجزيرة.

الهند بين توترات الخليج وضغوط التحالفات.. كيف تعيد حرب إيران تشكيل توازنات نيودلهي؟

لكن الأزمة الحالية أظهرت أن الأولويات الأمريكية لم تعد ثابتة كما كانت في السابق. فالحرب مع إيران، وما تتطلبه من ذخائر وصواريخ وأنظمة اعتراض ودعم بحري، باتت تستنزف جزءًا مهمًا من القدرات العسكرية الأميركية، وهو ما يفرض على واشنطن إعادة ترتيب استخدام مواردها العسكرية بشكل عاجل.

ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تؤكد رسميًا وجود أزمة في الإمدادات العسكرية، فإن تكرار الحديث في الأشهر الأخيرة عن نقص الذخائر وارتفاع معدلات الاستهلاك في العمليات الخارجية يعكس تحديًا متزايدًا أمام البنتاغون، خاصة مع توسع الالتزامات العسكرية الأميركية عالميًا.

إيران وتايوان

قد يبدو الربط بين إيران وتايوان بعيدًا ظاهريًا، لكنه حاضر بقوة في الحسابات الاستراتيجية العالمية. فالصين تتابع كيفية تعامل الولايات المتحدة مع خصومها، وتبني استنتاجاتها على أساس قدرة واشنطن على الحسم وتحمل الكلفة.

من وجهة نظر العديد من المحللين، فإن بقاء إيران صامدة رغم سنوات العقوبات والضغوط العسكرية يعطي انطباعًا بأن الولايات المتحدة أصبحت أقل رغبة في الذهاب إلى مواجهات شاملة ومفتوحة.

هذا التصور قد يشجع بكين على الاعتقاد بأن واشنطن ستفضل الاحتواء والتفاوض بدلًا من خوض حرب كبرى دفاعًا عن تايوان، خاصة إذا كانت الحرب تحمل مخاطر اقتصادية وعسكرية ضخمة.

كما أن الصين تدرك حجم الترابط الاقتصادي العالمي مع صناعات أشباه الموصلات التايوانية، وتفهم أن أي حرب واسعة قد تهز الاقتصاد الدولي بأكمله، وهو ما قد يدفع واشنطن للتفكير مرارًا قبل التدخل العسكري المباشر.

في المقابل، تحاول الولايات المتحدة تعزيز تحالفاتها في آسيا عبر التعاون مع اليابان والفلبين وأستراليا، لكنها تواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في إقناع الحلفاء بأن التزاماتها الأمنية ما تزال صلبة وغير قابلة للتراجع.

تايوان بين القلق السياسي والاعتماد الأمني

في تايبيه، حاولت الحكومة التايوانية التقليل من أهمية التصريحات الأمريكية، مؤكدة أنها لم تتلق رسميًا أي إخطار بشأن تأخير الصفقة. لكن هذا النفي لا يلغي القلق المتزايد داخل المؤسسات الأمنية والسياسية التايوانية.

تايوان تدرك أن أمنها يعتمد بصورة شبه كاملة على الدعم الأمريكي، سواء عبر مبيعات السلاح أو عبر الردع السياسي والعسكري الذي تمثله واشنطن في مواجهة الصين. لذلك، فإن أي إشارة إلى احتمال تأخير الدعم العسكري تثير مخاوف واسعة بشأن مصداقية الالتزامات الأميركية.

المشكلة الأكبر بالنسبة لتايوان أن هذه التطورات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، بعد أيام فقط من قمة جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، وهي القمة التي تجنب خلالها ترامب إعطاء تعهد واضح بالدفاع العسكري عن الجزيرة.

هذا التزامن بين تجميد الصفقة والغموض السياسي الأميركي يعزز داخل آسيا الانطباع بأن واشنطن تحاول تجنب التصعيد المباشر مع الصين، حتى لو كان ذلك على حساب إبطاء دعمها العسكري لتايوان.

الصين تراقب.. ورسائل الردع تتآكل

بالنسبة لبكين، فإن هذه التطورات تمثل فرصة استراتيجية ثمينة. الصين تراقب بدقة كيف تتعامل الولايات المتحدة مع أزماتها العالمية، وتحاول قياس حدود القوة الأميركية الحقيقية، وليس فقط الخطاب السياسي المعلن.

القيادة الصينية تدرك أن الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات متزامنة في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، وهو ما يضع ضغوطًا ضخمة على مخزوناتها العسكرية وعلى قدرتها على خوض مواجهات طويلة الأمد.

من هنا، فإن أي تأخير في تسليح تايوان قد يُفسَّر في بكين باعتباره إشارة إلى أن واشنطن غير مستعدة حاليًا لتحمل مواجهة كبرى في شرق آسيا، خاصة إذا كانت منخرطة بالفعل في صراع مع إيران.

الصين وتايوان

هذا الإدراك قد يشجع الصين على زيادة الضغوط العسكرية والسياسية حول تايوان خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر المناورات العسكرية أو عبر تكثيف الاختراقات الجوية والبحرية حول الجزيرة.

الأخطر أن بكين قد تعتبر أن الوقت الحالي يمثل “نافذة استراتيجية” مناسبة لاختبار مدى جدية الولايات المتحدة في حماية حلفائها الآسيويين، خصوصًا إذا استمرت الحرب مع إيران لفترة أطول واستنزفت المزيد من الموارد الأميركية.

حرب إيران تغيّر الحسابات العالمية

الحرب مع إيران لم تعد أزمة شرق أوسطية فقط، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في توازنات القوة العالمية. فواشنطن تجد نفسها مضطرة لتوزيع قدراتها العسكرية بين أكثر من ساحة، في وقت تتزايد فيه التحديات من الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

هذا الواقع يعيد إلى الواجهة سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها العسكرية العالمية بنفس الكفاءة التي تمتعت بها خلال العقود الماضية؟

العديد من الخبراء يرون أن التحدي الحالي لا يتعلق فقط بحجم القوة الأميركية، بل بقدرتها على إدارة عدة أزمات متزامنة دون استنزاف مخزونها العسكري أو إضعاف قدرتها على الردع في مناطق أخرى.

وفي هذا السياق، تبدو تايوان واحدة من أكثر الملفات حساسية، لأن أي تراجع أميركي هناك قد يغيّر ميزان القوى بالكامل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويمنح الصين فرصة تاريخية لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.

كما أن الحلفاء الآسيويين، وعلى رأسهم اليابان والفلبين وكوريا الجنوبية، يراقبون هذه التطورات بقلق متزايد، لأن مصداقية الردع الأميركي في تايوان ترتبط بشكل مباشر بثقتهم في المظلة الأمنية الأميركية.

 واشنطن ومرحلة “إدارة الأولويات”؟

التطورات الأخيرة توحي بأن الولايات المتحدة قد تكون دخلت بالفعل مرحلة جديدة تقوم على “إدارة الأولويات” بدلًا من فرض الهيمنة الكاملة على كل الساحات في آن واحد.

هذا لا يعني انسحابًا أمريكيًا من آسيا، لكنه يعكس إدراكًا داخل واشنطن بأن الموارد العسكرية ليست بلا حدود، وأن أي حرب طويلة في الشرق الأوسط ستؤثر حتمًا على التزاماتها في مناطق أخرى.

لكن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، لأن خصوم الولايات المتحدة قد يرون فيها علامة ضعف أو تراجع، وهو ما قد يدفعهم إلى اختبار الخطوط الحمراء الأميركية بصورة أكثر جرأة.

ترامب والصين

في النهاية، فإن تجميد صفقة الأسلحة لتايوان يتجاوز قيمته المالية أو طبيعته المؤقتة. إنه مؤشر على عالم يتغير بسرعة، وعلى قوة عظمى تواجه للمرة الأولى منذ عقود معضلة حقيقية بين الحفاظ على نفوذها العالمي وبين حدود قدرتها على خوض عدة صراعات في وقت واحد.

إسرائيل.. الدرس الأهم

الرسالة التي تستخلصها العديد من الدول من الأزمة الحالية تتجاوز آسيا نفسها. فحتى الدول التي تمتلك تحالفات استراتيجية عميقة مع واشنطن، مثل إسرائيل، باتت تدرك أن الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي قد لا يكون كافيًا في كل السيناريوهات.

هذا لا يعني تراجع التحالفات، وإنما تغير طبيعتها. الولايات المتحدة قد تظل داعمًا أساسيًا، لكنها أصبحت أكثر حسابًا للكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأي تدخل مباشر.

لذلك، تتجه دول عديدة نحو تعزيز قدراتها الذاتية، سواء عبر تطوير الصناعات العسكرية أو بناء استراتيجيات ردع مستقلة تسمح لها بالتعامل مع التهديدات دون انتظار تدخل أميركي كامل.

في النهاية، تبدو أزمة تايوان اليوم أكثر من مجرد نزاع إقليمي. إنها اختبار عالمي لمستقبل النظام الدولي، ولمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على صورتها كقوة ضامنة للأمن العالمي. أما اليابان، فهي تدرك أن نتيجة هذا الاختبار قد تحدد شكل آسيا لعقود مقبلة، وربما تعيد رسم خريطة توازن القوى في العالم بأسره

مقالات ذات صلة