الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةمن الروضة الحيدرية إلى العتبة الرضوية.. التجليات الشيعية في جنازة علي خامنئي

من الروضة الحيدرية إلى العتبة الرضوية.. التجليات الشيعية في جنازة علي خامنئي

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية

بعد مرور أربعة أشهر على اغتيال المرشد الأعلى “علي خامنئي”، شرعت إيران في تشييع جثمان قائدها الديني والدنيوي في مراسم مهيبة تستغرق أسبوعًا كاملًا، بدأت يوم الجمعة الماضي الثالث من يوليو وانتهت يوم الخميس التاسع من يوليو، حيث تنقل النعش بين المدن الإيرانية والعراقية المقدسة لدى الشيعة (قُم، النجف، كربلاء) إلى أن يتم الدفن في حرم الإمام الرضا بمدينة مشهد في محافظة خُراسان الرضوية كما أوصى “خامنئي” قبل وفاته.

كان “خامنئي” قد لقي مصرعه في أول الغارات الإسرائيلية الأمريكية على إيران فجر السبت 28 فبراير 2026 مع عدد من أفراد أسرته، كما أُصيب ابنه “مجتبى”، المرشد الحالي، إصابةً خطيرةً لا يزال مختفيًا على إثرها، مما أثار شكوكًا عديدة حول مصيره ووضع حالته الصحية وحقيقة بقائه على قيد الحياة.

أُقيمت الصلاة الأولى على جثمان خامنئي في مصلى طهران الكبير (الإمام الخميني) بالعاصمة الإيرانية، حيث شارك فيها أبناؤه الثلاثة “مسعود، ومصطفى، وميثم”، وصهر مجتبى “غلام علي حداد عادل”، وعدد من رجالات النظام يتقدمهم رئيس الجمهورية “مسعود بزشكيان”، ووزير الخارجية “عباس عراقتشي”، ورئيس البرلمان “محمد باقر قاليباف”، والقائد العام للحرس الثوري العميد “أحمد وحيدي”، وآخرون، لكن غاب عن المشهد خليفة خامنئي وابنه “مجتبى”، ورؤساء إيران وقادتها السابقون، خاصة المنتمين إلى التيار الإصلاحي، فلم نرَ وجوهًا مثل “محمد خاتمي، وحسن روحاني، ومحمود أحمدي نجاد”، وكذلك المستشار السياسي السابق لخامنئي “محمد موسوي خوئيني ها”، ووزير الداخلية في عهد الرئيس خاتمي “عبد الله نوري”، ووزير الخارجية في عهد الرئيس روحاني “محمد جواد ظريف”، وغيرهم الكثيرون.

العامل المشترك في مراسم التشييع والصلاة في مصلى “الإمام الخميني” في طهران، ثم مسجد “جمكران” في قُم هو حضور ملايين الإيرانيين من مختلف أنحاء البلاد في مشهد جليل، جعل وكالات الأنباء والصحف العربية والغربية تصف الجنازة بأنها “جنازة القرن، وأضخم جنازة في تاريخ العصر الحديث”، وأثار دهشة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” حين رأى كل هذه الحشود الغفيرة تبكي خامنئي معلقًا أنه كان يعتقد أن الشعب الإيراني يكرهه؟!

قد يرى البعض أن هذه المراسم الجنائزية هي مراسم رمزية يودع فيها الإيرانيون قائدهم، وأن عملية الدفن تمت عقب الوفاة مباشرة بسبب حالة الحرب وتوتر الأوضاع السياسية في البلاد، هذا بالإضافة إلى أن الوفاة قد حدثت نتيجة غارة جوية دقيقة استهدفت مكتب المرشد في طهران، لذا لا يُستبعد أن الجسد بات أشلاءً أو لحق به ضررٌ شديدٌ جراء الانفجار مما يجعل الاحتفاظ بالجثمان طوال هذه المدة أمرًا عسيرًا، لكن وفقًا لما أعلنته السلطات الإيرانية، فقد حُفظت الجثة بتقنية التبريد ولم تُحنَّط كيميائيًا، حيث إن المشارح الجنائية في الدولة تحتفظ أحيانًا بالجثث عدة أشهر.

لكن بعيدًا عن حقيقة هذا الأمر، فقد شهدت الجنازة منذ انطلاقها مجموعة من المشاهد أضفت على المراسم صبغة شيعية خالصة، تعكس أيديولوجيات النظام الثيوقراطي في إيران بشكل جلي؛ وهي أسس طالما اتكأ عليها النظام في ترسيخ أركان الحكم والهيمنة على الشعب مستميلًا وازعه الديني.

الطواف بالمتوفى في المذهب الشيعي

الطواف بالمتوفى في المذهب الشيعي هو تقليد متداول في التراث الشعبي الديني، وما يحدث الآن في جنازة المرشد الإيراني السابق “علي خامنئي” ليس أمرًا عجيبًا أو مستغربًا على الشيعة.

الطواف بجثمان “خامنئي” في المدن الإيرانية المقدسة (قُم ومشهد)، ثم التوجه إلى قبلة الشيعة في العالم أجمع أرض العراق المباركة (النجف وكربلاء)، مثلما طِيف برأس الحسين في الأمصار الإسلامية منذ مئات السنين.

بعد مقتل “الحسين بن علي” وجز عنقه، أمر “ابن زياد”، والي الكوفة، بوضع الرأس على رمح والطواف به في الأمصار حتى يكون عبرة لمن تسول له نفسه الخروج على الحاكم.

بالفعل وُضع الرأس على الرمح وطاف به الشيعة أرض العراق وبلاد الشام إلى أن وصلوا المدينة، ثم عادوا به إلى مثواه الأخير في كربلاء، حيث دُفن، وكان قد مضى أربعون يومًا، ومن هنا ظهر مصطلح “الأربعينية”، أي مرور أربعين يومًا على رحيل المتوفى، كما توجد في العراق الآن “اللجنة المركزية للزيارة الأربعينية” المسؤولة عن تنظيم الزيارات الرسمية والشعبية في ذكرى عاشوراء والأربعين.

اعتبر الشيعة –على عكس بني أمية– هذا الطواف بمثابة تكريم ووداع أخير من أشياع الحسين له، مثلما يحدث الآن مع خامنئي. كما أن الطواف بالجثمان سيكون تذكيرًا بالمطالبة بدم الشهيد والثأر له من أعدائه.

وصول جثمان خامنئي إلى العراق له قداسة كبرى لدى الشيعة؛ هنا جرت واقعة كربلاء، وسُفك دم الحسين، ودُفن، لذا شهدت الجنازة في العراق يومي الأربعاء والخميس مهابةً وجلالًا أكبر مما رأيناه في إيران، فضلًا عن حضور وفود شعبية غفيرة من جميع أنحاء العراق ودول الجوار، حيث خرجت الجنازة من حدودها الوطنية في إيران إلى حدودها الشيعية في المنطقة.

العتبات المقدسة لدى الشيعة

اختيار مدينتي قم ومشهد في إيران، والنجف وكربلاء في العراق بعينها من أجل الطواف بجثمان “علي خامنئي” يرجع إلى مكانتها الرفيعة لدى الشيعة، فهذه المدن ترتبط بأحداث مهمة في التاريخ الشيعي، فضلًا عن احتوائها على عتباتهم المقدسة الأولى في العالم.

تضم مدينة قم الحوزة العلمية الثانية أو المرجعية الشيعية بعد النجف الأشرف في العراق، ويوجد بها عدد من المزارات الدينية المهمة من أبرزها مرقد السيدة “فاطمة المعصومة” بنت الإمام السابع لدى الشيعة الاثني عشرية “موسى الكاظم”، وكذلك مسجد “جمكران” الخاص بالإمام الغائب “محمد بن الحسن المهدي”.

هذا المسجد شُيد بناءً على رؤية رآها الشيخ “حسن بن مثلة الجمكراني” في منامه، إذ رأى أنه ذهب إلى لقاء الإمام الغائب في البقعة التي شُيد بها المسجد، فأخبره المهدي أن هذه البقعة مباركة، وكل من يُصلِي فيها كأنه صلى في الكعبة، فكلفه ببناء المسجد في هذا الموضع.

وقد أُقيمت الصلاة الثانية على جثمان خامنئي في مسجد جمكران بعد الصلاة عليه في مصلى طهران الكبير.

مشهد

تضم مدينة مشهد العتبة الرضوية (حرم الإمام الرضا)، حيث يحوي مجموعة من المزارات الدينية المهمة يعود تاريخها إلى عصور إيرانية مختلفة؛ من أبرزها مرقد الإمام “علي بن موسى الرضا” ثامن الأئمة الاثني عشرية، وابن الإمام موسى الكاظم، وشقيق السيدة فاطمة المعصومة.

ويجاور مرقد الإمام الرضا مرقد الخليفة العباسي “هارون الرشيد”، وكلاهما يقعان في بقعة واحدة وأسفل قبة واحدة في “مسجد بالاسر”؛ وهو أقدم بناء في الحرم الرضوي.

كما يوجد في الحرم الرضوي مسجد “جوهر شاد بيجم”، زوجة السلطان التيموري “شاهرُخ ميرزا”، وهو يعتبر آية من آيات العمارة التيمورية ومن أكثر المساجد زيارة في إيران.

يضم الحرم كذلك مجموعة من أضرحة الشخصيات العلمية والدينية والعسكرية المؤثرة في التاريخ الإيراني، بالإضافة إلى عدد من الأبنية والقباب والصحون والمتاحف التاريخية.

كان خامنئي قد أوصى المقربين إليه بأن يُدفن في مسقط رأسه “مشهد” بالحرم الرضوي إلى جوار أبيه “السيد جواد الحسيني”، حيث ووري الجثمان الثرى يوم الخميس التاسع يونيو بعدما عاد من العراق.

النجف الأشرف

تضم مدينة النجف الحوزة العلمية الأولى الخاصة بالشيعة في العالم أجمع، ويشرف ثراها بأنه يحوي رفات الإمام “علي بن أبي طالب”، وبها ولد “السيد جواد الحسيني” أبو “علي خامنئي”.

توجد بالعتبة العلوية أو الروضة الحيدرية –كما يُطلق على النجف الأشرف– عددٌ من الأضرحة والمساجد المشهورة من بينها: ضريحا النبيين آدم ونوح، ومسجد الخضراء، ومسجد “عمران بن شاهين”؛ وهو أقدم مساجد النجف.

كربلاء 

تقع في مدينة كربلاء العتبة الحسينية، وهي تضم مقامات “رأس الحسين”، وأخيه “أبي الفضل العباس بن علي” الملقب بـ “قمر بني هاشم” من السيدة “فاطمة بنت حُزام الكِلابية” الملقبة بـ “أم البنين”، و”علي الأكبر بن الحسين بن علي”، و”القاسم بن الحسن بن علي”، وعدد من صحابة الحسين الذين لقوا مصرعهم معه في موقعة كربلاء.

الشعارات المذهبية

خلال تشييع جثمان “علي خامنئي” في كل من إيران والعراق، رفع المشيعون العديد من الشعارات المنددة بالولايات المتحدة وإسرائيل، كان من أبرزها “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل”؛ وهو شعار مشهور في التاريخ الإيراني بعد الثورة عام 1979، عادة ما يرفعه الإيرانيون في كل صراع أو مواجهة مع الطرفين على حد سواء.

أما الشعار الأبرز والأهم في هذه المراسم، فكان رفع “الرايات الحمراء” المطالبة بالثأر من قاتلي خامنئي. في هذه الرايات، تظهر عبارة: “لبيك يا حسين”، و”يا لثارات الحسين”، في إشارة إلى تلبية دعوة الحسين حينما خرج من مكة قاصدًا الكوفة، ودعا المسلمين إلى نصرته عدة مرات، وكان من أشهر هذه الدعوات ما قاله يوم عاشوراء بعد مصرع جميع أصحابه: “هل من ناصر ينصرني.

هذه العبارة أحد الشعارات الشهيرة لدى الشيعة؛ عادة ما نشاهدها في احتفالات عاشوراء مدونة على لافتات ورايات يحملها الإيرانيون في جميع أنحاء البلاد، كما تُرفع في ميادين القتال ومراسم تشييع جثامين الشهداء والمحافل الدينية بشكل عام، باعتبارها جوابًا يُلبِي نداء الحسين؛ رمز الدفاع عن الحق في مواجهة الباطل، وبالتبعية غدت جوابًا يُلبِي نداء الوطن وقت الحرب.

الحقيقة أن إعادة تجسيد مراسم تشييع الحسين والطواف برأسه في الأمصار الإسلامية أثناء إقامة مراسم تشييع المرشد الإيراني “علي خامنئي” يشير إلى أن الإيرانيين ينظرون إليهما كأنهما شخص واحد. الحسين دافع عن الضعفاء في مجابهة الطغاة؛ أما خامنئي فقد دافع عن وطنه في مواجهة الأعداء، وبالتالي غدا الشخصان يرمزان إلى الشجاعة، والدفاع عن الحق، ومناصرة المظلومين حتى إن كان الثمن التضحية بالنفس.

إن ما ذكره “الخميني” حين أقر نظرية “ولاية الفقيه” كأساس أقام عليه نظام الجمهورية الإسلامية، منح نفسه ومَن يأتون بعده ما كان للنبي محمد (ص) من سلطات وصلاحيات في إدارة شؤون الدولة، وبالتالي أصبح خامنئي في نظر الشعب الإيراني نائب الإمام الغائب، تتجسد في شخصه صفات الفقيه العالم العادل كما قال الخميني.

مقالات ذات صلة