د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية
بعد 20 عامًا من العيش في بلاد الغربة، عاد المطرب والموسيقار الإيراني الكبير “محسن نامجو” يوم الخميس 27 أغسطس 2026 إلى أرض الوطن مرة أخرى.
يُعد “نامجو” واحدًا من أبرز المطربين والموسيقيين الإيرانيين المعاصرين؛ استطاع من خلال مزج الإيقاعات الإيرانية بالإيقاعات الغربية والأداء الصوتي غير التقليدي خلق مدرسة موسيقية خاصة به، وصناعة أغنيات متفردة تنصهر فيها الموسيقى التقليدية الإيرانية وموسيقى الروك والبلوز والجاز الأمريكية وموسيقى الفلكلور الأوروبية في بوتقة واحدة على وقع أشعار كبار شعراء إيران الكلاسيكيين والمحدثين أمثال جلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي، وأحمد شاملو، وغيرهم، بالإضافة إلى الاستعانة بالأشعار الشعبية والعبارات الدارجة على ألسنة الناس في الشارع الإيراني، مما جعل بعض نقاد الموسيقى يطلقون عليه “بوب ديلن إيران”.
كان المطرب المعارض للنظام الإيراني قد هاجر من البلاد عام 2008، وآثر البقاء في الولايات المتحدة مقيمًا في مدينة نيويورك، بعدما قضت محكمة طهران العامة عام 2009 غيابيًا بالحبس التعزيري خمس سنوات، بتهمة “الإساءة إلى المقدسات الإسلامية” على خلفية إنشاد آيات من القرآن الكريم في أغنية “الشمس” بأسلوب اعتبره البعض يحمل طابعًا ساخرًا.
كان “نامجو” قد صرح وقتها في حوار مع شبكة “بي بي سي” في نسختها الفارسية أن هذه الأغنية مثار الجدل تتضمن أبياتًا عربيةً من قصيدة “كلمات” للشاعر السوري “نزار قباني” متناغمة مع بعض الآيات القرآنية في الوزن والإيقاع، لذا وظفها في الأغنية، لكنه لم يقصد الإساءة بأي شكل من الأشكال.
كما ذكر في الحوار أنه كتب في مستهل الأغنية المصورة “بيابان: الصحراء” أنها “إهداء منه ومن صناعها إلى الإيرانيين المجهولين الذين فقدوا أرواحهم احتجاجًا على نتائج انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2009″، ولا يُستبعد ألا يكون للحكم صلة بهذا الأمر؛ وهي الانتخابات التي شهدت عمليات تزوير لصالح المرشح الأصولي “محمود أحمدي نجاد” مقابل منافسه الإصلاحي “حسين مير موسوي”.

كان “نامجو” قد سجل مقطعًا مصورًا طويلًا، بثته منصة “بيلبورد الفارسية” عبر حسابها الرسمي على موقع “إنستاجرام” حصريًا، تحدث فيه عن عودته إلى إيران، وإلغاء جولته الموسيقية في كندا، وموقفه المناهض للإعلام المعارض الناطق بالفارسية في الخارج، حيث قال:
“سلام أصدقائي؛ أنا محسن نامجو. بينما تشاهدون هذا المقطع المصور، سأكون في الرحلة الجوية المتجهة إلى طهران، أو على أرض الوطن نفسه بعد غربة قاربت 20 عامًا. لقد تطورت الظروف على نحو –كما صرحتُ قبل يومين أو ثلاثة في مقابلة مع منصة (بيلبورد)– أشعر فيها بأنني قد وصلت حقًا إلى مرحلة من حياتي اكتفيت فيها من الغربة.
بالنسبة لي، لا يهم على الإطلاق ما إذا كنتُ سأتمكن من ممارسة العمل الموسيقي أو النشاط الثقافي في إيران أم لا؛ الأهم هو أن أكون هناك في وطني، إلى جانب أصدقائي وعائلتي وأخواتي وأقربائي، وأن أستمتع بما تبقى لي من أيام عمري إلى جوارهم.
قبل كل شيء أتوجه بالاعتذار إلى كل فرد من جمهوري اشترى تذاكر جولتي الموسيقية في كندا، إذ سيُرَدُّ ثمنها إليكم قطعًا، وإن شاء الله، بعد أن تتضح معالم حياتي سواء في إيران أو خارجها، سأعود إلى المسرح مجددًا، وأغني لكم.
كلمتي الأخيرة إلى وسائل الإعلام المعارضة الناطقة بالفارسية: أنا فخور بأنني طيلة السنوات الأخيرة قد قاطعتكم كما قاطعتُموني. لو وقعتُ في إيران في ألف مأزق، أو هويتُ إلى القاع، أو صعدتُ إلى عنان السماء، فليس لكم أدنى حقٍ في نشر أي تقرير أو خبر عن محسن نامجو. لقد افترقت مساراتنا منذ سنوات، ولا تجمعنا أية صلة ببعضنا بعضًا سواء سياسية أو اجتماعية أو فنية. بالطبع لم ألمس فيكم أي حس فني طوال هذه السنوات. لا شأن لكم بي ولا بأخباري، وما سيحل على رأسي من مصائب أو ما ينتظرني من أحداث جيدة في إيران، ليس لكم ولا لإعلامكم ولا لمواقعكم أدنى صلة بي. دعوني وشأني؛ خير لكم وسلام علينا“.
كان الصحفي ورئيس تحرير منصة بيلبورد الفارسية “بِهمن بابا زاده” الذي أجرى مؤخرًا المقابلة المُشار إليها مع “محسن نامجو”، قد كتب عبر منصة “إكس” أن تذكرة “نامجو” قد حُجزت من إسطنبول منذ أسبوع بناءً على طلبه الشخصي، ولم تُجرَ أية محادثات أو مفاوضات مع جهة أو مسؤول إيراني حيال عودته.
عقب وصول “نامجو” إلى مطار “مهر آباد” الدولي في العاصمة طهران، سارع العديد من محبيه إلى التقاط صور معه، كما أظهرت بعض المقاطع المصورة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الأخيرة، تجوُّله في شوارع طهران وعدد من الأماكن العامة دون أية قيود أو ملاحقة أمنية، بالإضافة إلى غنائه في تجمعات صغيرة ببيوت بعض الإيرانيين.
لم يحدد النظام الإيراني موقفه الرسمي حيال عودة “نامجو” حتى كتابة هذه السطور، إلا أن وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي “عباس صالحي” كان قد صرح في وقت سابق، مشيرًا إلى الفنانين المقيمين في الخارج الراغبين في العودة، بأن الإيرانيين المهاجرين أمثال الفنانين والمفكرين والمثقفين وغيرهم، حين غدوا جزءًا من رأس مال المجتمع الإيراني أثناء الحرب، كُوِّنت عنهم نظرة إيجابية، وأقر البرلمان قانون حماية الإيرانيين في الخارج.
يُذكر أن بعضًا من الفنانين الإيرانيين المعارضين المقيمين في الخارج أو الصادر بحقهم أحكام غيابية قد آثروا العودة إلى إيران مرة أخرى عقب اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير 2026 دون اكتراث بما قد يحدث لهم كنوع من التضامن الوطني في مواجهة العدوان؛ كان من أبرزهم: المخرج الإيراني الحاصل على السعفة الذهبية “جعفر بناهي”، والممثلة الكبيرة “فاطمة معتمد آريا”، والمطرب المخضرم “بينش بلور” الشهير بـ “قيصر”، والمطرب الشاب “أحمد سعيدي”.

هذا الرجوع المتوالي من الفنانين الإيرانيين يؤكد نقطة في غاية الأهمية؛ ثمة فرق كبير، لا يدركه ضيقو الأفق، بين الاختلاف مع النظام الحاكم والاصطفاف ورائه من أجل حماية الوطن، فقد يختلف البعض مع النظام أو يعترضون على سياساته الداخلية والخارجية، لكن هذا الاختلاف لا يعني مطلقًا الاستقواء بالآخر أو مساعدة عدو خارجي يعمل ضد مصالح الدولة ويهدد أمنها واستقرارها.
الالتفاف حول القيادة الإيرانية الآن، سواء من قبل المعارضة في الداخل أو الخارج، وتغيُّر موقفها من الرفض إلى التأييد، يُشير إلى وعي شعبٍ متحضرٍ قديمٍ قدم الأزل بما يحدق بالبلاد من أخطار لا تهدد مستقبل النظام الحاكم فحسب، بل مصير الوطن والشعب على حدٍّ سواء.
بداية الرحلة
وُلد المطرب والملحن وعازف السيتار والجيتار الإيراني “محسن نامجو” في 4 مارس 1976 بمدينة “تربت جام” في محافظة خُراسان الرضوية. بدأ دراسة الموسيقى في ريعان شبابه، حيث تعلم قراءة النوتة الموسيقية والمقامات الصوتية، ثم درس “الرديف” –أحد أشهر أنماط الموسيقى الإيرانية التراثية– على يد الأستاذين البارعين “رضا شاكري” و”نصر الله ناصح بور”.
وفقًا لما يذكره “نامجو”، فقد تعلم عزف آلة السيتار في سن السابعة عشرة على يد عازف الوتريات المعروف “فرامرز شكر خواه”. بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، قُبل في قسم المسرح بكلية السينما والمسرح –كلية الفنون الدرامية سابقًا– بجامعة الفنون في إيران، لكنه فضل الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بجامعة طهران لدراسة الموسيقى، وفي النهاية، ترك الجامعة لعدم رضاه عن نظام التعليم، وواصل دراسته بشكل حر.
مزيج فريد من الموسيقى الإيرانية والغربية
في عام 2000 التحق “نامجو” بالخدمة العسكرية، وكانت هذه الفترة بالنسبة له مرحلة استراحة ذهنية وازدهار فني بحسب قوله؛ حيث تعرَّف خلالها على أنماط موسيقية غربية كالروك والبلوز. بعد قضاء الخدمة العسكرية، أسس مع عدد من أصدقائه في الخدمة “عبدي بهرفان فر”، و”نافيد أربابيان”، و”علي باغ فر” فرقة روك باسم (ماد)، حيث شرعوا في نشاطهم الموسيقي بشكل احترافي من خلال إقامة حفلات موسيقية في جميع أنحاء البلاد.
يقول “نامجو” عن تلك المرحلة: “من أهم الأحداث التي حدثت لي أثناء الخدمة العسكرية، أنني شُرِّفتُ بلقاء المطرب الفلكلوري وعازف الدوتار (الحاج قربان سليماني الباخشي) في مدينة قوتشان، وتعلمتُ منه مقامات الموسيقى الخُراسانية. إن الاستماع إلى فرقة الروك الأمريكية “ذَا دورز” The Doors ومغنيها الرئيس “جيم موريسون” Jim Morrison أثناء التوجه إلى قوتشان، ثم تعلم مقام “الله فاردي” –أحد المقامات التراثية الفريدة المتداولة في الموسيقى الخراسانية– في بيت قروي على يد الحاج قربان، شكل حصيلتي الموسيقية جيدًا وجعلها تسع أشكالًا مختلفةً، ومكّنني من الجمع بين نمطين متباينين من الموسيقى جنبًا إلى جنب”.
كما يذكر “نامجو” أن العزف مع الفرق المستقلة في مشهد وطهران كان سببًا في إثراء إبداعه في مجال الموسيقى الهجينة (التلفيقية) من خلال دمج أشكال موسيقية مختلفة معًا.
الانطلاقة الفنية داخل إيران
بدأ “نامجو” مسيرته الفنية في عالم الموسيقى بالعزف والغناء في فيلم “السبورة: تخته سیاه” للمخرجة “سميرة مخملباف” من إنتاج عام 2000. بعد ذلك، قام بوضع الموسيقى التصويرية لعددٍ من الأفلام القصيرة؛ من بينها: أدعو من أجل مجيئك “برای آمدنت دعا میکنم”، الحفرة”، الأقوام، حدث في ثلاث ثوانٍ “در سه ثانیه اتفاق افتاد”، الموت “مرگ”، فضلًا عن ثمانية أعمال مسرحية.
قدم “نامجو” خلال مسيرته الغنائية ما يقرب من 20 ألبومًا غنائيًا، صدر أغلبها بشكل غير رسمي؛ من أشهرها ألبوما: دماوند، الجديلة “گیس”، بالإضافة إلى عدد كبير من الأغاني المنفردة مثل: الآراء الكانطية الجديدة “عقاید نئوکانتی”، عدد، عريس الريح “داماد باد”، وغيرها.
في شتاء عام 2006، لحن “نامجو” شارة المسلسل الكوميدي “حامض حلو: ترش و شیرین” للمخرج “رضا عطاران”، وشارك في غنائها بشكل ثنائي مع “عطاران”. عُرض المسلسل على شاشة القناة الثالثة بالتلفزيون الإيراني احتفالًا ببداية السنة الشمسية الجديدة (نوروز 1386/ مارس 2007)، وحقق نجاحًا جماهيريًا عريضًا.
في 8 سبتمبر 2007 صدر ألبومه الرسمي الأول بعنوان “ترنج” عن مؤسسة (آواى باربد الثقافية والفنية)، وضم تسع أغنيات.
في عام 2008، قام “نامجو” بالتعاون مع دار نشر (كاروان)، وسجل النسخة الصوتية من رواية “الخيميائي: كیمياگر” O Alquimista للكاتب البرازيلي الكبير “باولو كويلو” Paulo Coelho من ترجمة “آرش حجازي”. سعى “نامجو” في هذا العمل إلى إبراز إحدى الأفكار الرئيسية في الرواية؛ ألا وهي “وحدة الوجود”، وتقديم انطباعه الخاص عنها عبر الأداء الصوتي، كما جسد بصوته أكثر من 30 شخصية واردة في الرواية، وألف لها ما يقرب من 60 دقيقة من الموسيقى التصويرية المستوحاة من الموسيقى التقليدية الإيرانية.
التوهج الفني خارج إيران
بسبب الصعوبات التي واجهها “نامجو” في إصدار ألبوماته داخل إيران جراء مضمون أغانيه وألحانها غير المعتادة، بالإضافة إلى آرائه السياسية المعارضة، قام بإصدارها في الخارج أو عبر المنصات الموسيقية الإلكترونية، ومثلت هذه الفترة بالنسبة له مرحلة التوهج الفني وغزارة الإنتاج والنجاح الكبير والانتشار الواسع.
صدر أول ألبومات “نامجو” خارج إيران عام 2008 تحت عنوان “الحتمية الجغرافية: جبر جغرافیایی”، وبعده ألبوم “آخ” عام 2009 بالتعاون مع الممثلة الإيرانية “جولشيفته فراهاني”، ثم ألبوم “قبلات عبثية: بوسههای بیهوده” عام 2011، وتلاه “الزيف: الکی” في أواخر العام نفسه.
في خريف عام 2012، أصدر ألبوم “13/ 8″، في إشارة إلى احتوائه على ثماني أغنيات، صدرت في السنة الثالثة عشرة من مسيرة “نامجو” الفنية.
في عام 2014، أصدر ألبوم “مدد يا قشر النارنج: از پوست نارنگی مدد”، وفي عام 2016 “صفر شخصي”، وفي عام 2020 “مُطنطن”، وفي عام 2024 “اولا، وفي عام 2025 “مغناطيس.
في أكتوبر 2016، تعاون “نامجو” مع أوركسترا هولندا السيمفوني في سلسلة حفلات موسيقية تحت عنوان “أصداء من الشرق: آوازهایی از شرق”، وصاحب هذا البرنامج رواية قصصية باللغة الهولندية قدمها الحكاء والموسيقي الهولندي إيراني الأصل “سهند صاحب ديواني”، إلى جانب تقديم عزف أعمال موسيقيين آخرين.
في مارس 2020، قدم “نامجو” واحدةً من أكبر حفلاته الموسيقية وأجملها على الإطلاق في مسيرته الفنية؛ وهي “سيمفونية الأوديسة 2020″، بمصاحبة أوركسترا ستوكهولم السيمفوني، وكورال “الشمس (آفتاب)”، بقيادة المايسترو السويدي إيراني الأصل “أفشين خائف”.
سعى “خائف” في هذا العمل إلى انتقاء أغانٍ من أعمال “نامجو” تجسيد جوانب مختلفة من رحلة الإنسان في الحياة الفانية في قالب موسيقي؛ وهي رحلة حافلة بالوقائع الجسام، والأفراح والأحزان، والدمعات والبسمات، والصعوبات والمشقات، والسبل العسيرة واليسيرة التي تنقش أقدار البشر فوق أجبُنهم.
الأسلوب الموسيقي
تنفرد ألحان “محسن نامجو” بخاصية دمج أنماط موسيقية متنوعة ومتباينة؛ إذ يمزج بين أشكال موسيقية إيرانية وغربية متعددة، ويجمع بين الشعر الفارسي الكلاسيكي والمعاصر وقصائده الخاصة، فيما يُعرف بـ “الفن الهجين”.
تتداخل في ألحانه ثيمات موسيقية من التراث الإيراني، والبلوز، والجاز، والفلكلور، وتتنوع أغانيه بين أشعار سعدي الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وخواجوي الكرماني، وحافظ الشيرازي، وعبد الرحمن الجامي، وصولًا إلى نيما يوشيج، وفريدون مشيري، وأحمد شاملو، ورضا براهني، وحسين منزوي، وشفيعي كدكني، مع تضفير مصطلحات وتعبيرات شعبية دارجة على ألسنة الناس في الشارع الإيراني في ثنايا الأبيات.
يقول “نامجو” في هذا الصدد: “الدمج من وجهة نظري هو ظاهرة العصر. الدمج الموسيقي يأخذ شكلين: الأول هو مزج الآلات، كوضع الجيتار أمام السيتار، وهو أمر ليس جديدًا؛ أما الثاني فهو مزج السلالم الموسيقية، وهو أمر ليس معهودًا كثيرًا في الموسيقى الإيرانية حتى الآن. فعلى سبيل المثال، يكفي حذف نغمتين من مقام “شور” الإيراني من أجل الوصول إلى مقام البلوز الأمريكي”.
من أبرز أعمال “نامجو” في هذا الصدد؛ أغنية “الطائر الولهان: مُرغ شیدا” من أشعار “سعيد مهنافيان”؛ إذ إن اللحن مستوحى من أغنية “الرجل الذي باع العالم” The Man Who Sold The World للمغني البريطاني “ديفيد بوي”David Bowie، وأغنية “رسول الحب: قاصد عشق” للمغني الإيراني “داوود مقامي”.
يقول المخرج الإيراني “بابك بيامي” المقيم في تورونتو عن “نامجو” وتعاونه معه: “إن محسن نامجو فنان استثنائي بجميع المقاييس. في رأيي؛ لم يقتصر إبداعه الفني على التلحين فحسب، بل امتد أيضًا إلى التجديد في عالم الموسيقى والشعر الغنائي بشكل يلفت الأنظار”.
السينما والمسرح
إلى جانب التأليف الموسيقي وكتابة الأغاني، خاض “نامجو” غمار التمثيل، وقدم عددًا من الأفلام والمسرحيات التي لاقت نجاحًا جماهيريًا ونقديًا كبيرًا.
ففي السينما، شارك في بطولة فيلم “بضع كيلو جرامات من التمر للجنازة: چند کیلو خرما برای مراسم تدفین” من إنتاج عام 2006، وتأليف وإخراج “سامان سالور”، وبطولة محسن تنابنده، ونادر فلاح. نال الفيلم استحسان النقاد، وحصد عددًا كبيرًا من الجوائز العالمية؛ من أبرزها جائزة “المنطاد الذهبي” من مهرجان القارات الثلاث في مدينة “نانت” الفرنسية خلال دورته الثامنة والعشرين، ويُعد الفيلم أحد أبرز الأعمال في تاريخ السينما الإيرانية المستقلة.
كما شارك في بطولة فيلم “أحلام الراديو” Radio Dreamsوهو إنتاج إيراني أمريكي مشترك عام 2016، من إخراج “بابك جلالي”، وتأليفه بالاشتراك مع “آيدا أحدياني”، وبطولة بشرى دستور نجاد حقيقي، ولارس أولريش Lars Ulrich؛ عازف الدرامز الدنماركي المعروف ومؤسس فرقة الميتال الأمريكية “ميتاليكا” Metallica. نال الفيلم جائزة “النمر” من مهرجان “روتردام السينمائي الدولي” خلال دورته الخامسة والأربعين.
أما عن المسرح، فقد قدم “نامجو” مسرحيتين؛ الأولى “جانا وبلادور” عام 2012، والثانية “آرش” عام 2013، وكلاهما من تأليف وإخراج الكاتب الكبير “بهرام بيضائي”، وبطولة مُجدِه شمسائي”. المسرحيتان –كما اعتاد بيضائي في أعماله– مستوحيتان من التراث الشعبي والأساطير الإيرانية، وعُرضتا على مسرح “مركز الدراسات الإيرانية” بجامعة “ستانفورد” في ولاية كاليفورنيا.
الاتهام بالتحرش
بعيدًا عن واقعة إنشاد آيات قرآنية وما ترتب عليها من الحكم على “نامجو” بالحبس التعزيري خمس سنوات غيابيًا؛ كان اتهامه بالتحرش الجنسي بعدد من الفتيات واحدًا من الأحداث مثار جدل واسع وانتقاد لاذع له في وسائل الإعلام الإيرانية والأمريكية.
خلال حركة “أنا أيضًا في إيران” التي انطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة تويتر –إكس حاليًا– في صيف 2020، وأُزيح فيها الستار عن حالات تحرش بالفتيات من قبل وجوه إيرانية معروفة؛ أكاديمية وصحافية وثقافية وفنية مقيمة في الولايات المتحدة، وُجِّهَ عدد من التهم إلى “نامجو” من جانب المذيعة والممثلة “لونا شاد”، والمغنية “بانيدا”، والممثلة وعارضة الأزياء “بشرى دستور نجاد” على تطبيق الدردشة الصوتية “كلوب هاوس”.
كان من أبرز هذه التهم التي حظيت بصدى إعلامي كبير، اتهام فتاة إيرانية، روت قصة التحرش بها على تويتر باسم مستعار يُدعى “ماهي”، حيث كتبت أن “نامجو” كان متواجدًا معها في بيت صديق مشترك بالولايات المتحدة، وأراد مطارحتها الفراش بالقوة عند النوم مساءً رغم رفضها، وأبلغت الشرطة بالواقعة.
في البداية أنكر “نامجو” هذه التهم، لكنه في أواخر شهر أبريل 2021، نشر مقطعًا مصورًا وجه فيه الاعتذار إلى “ماهي” وضحاياه كافة، وأرجع السبب في إقدامه على هذه الأفعال المشينة إلى الإفراط في احتساء الكُحول.
العودة إلى إيران
بعد 20 سنة قضاها الفنان الكبير “محسن نامجو” في الغربة، عاد مرة أخرى إلى ليلاه الفارسية؛ إيران، بعدما أنشد لها في أول ألبوماته (دماوند) أغنيته الشهيرة: “أيها الحادي (اى ساربان)؛ إلى أين تأخذ ليلاي؟”. إذ تُعد عودته صفحة جديدة في مسيرته الفنية، قد تكون الأخيرة أو ميلادًا ثانيًا له في عالم الموسيقى، لكن في الحالتين نستطيع القول إن “نامجو” ظاهرة استثنائية في تاريخ الموسيقى الإيرانية، استطاع على مدار ربع قرن ابتكار مدرسة موسيقية باسمه لم يعهدها أحد سواه، دمج فيها باحترافية بالغة أنماطًا موسيقية ثرية ومختلفة؛ الموسيقى الإيرانية التراثية، والموسيقى الغربية المعاصرة، وطبقات الصوت البشري من القرار إلى الجواب، فيما يشبه خليطًا من الأسلوب الكنسي (الأكابيلا) والموسيقى التجريبية، مما جعله يحتل مكانة خاصة في تاريخ الموسيقى الإيرانية لا ينافسه فيها أحد.
يقولون إن كل امرئ له نصيب من اسمه، وقيل أيضًا أن كل امرئ له الثلث من اسمه؛ ونامجو تعني في الفارسية “الباحث عن الشهرة”؛ وهي صفة لم يبحث عنها “نامجو”، لكنها حظي بها منذ داعبت أصابعها الأوتار وانسابت في وجدانه الألحان.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5887

