ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية
شاركت السعودية ضيف شرف في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026، الذي عقد بين الثالث والسادس من يونيو. وهذه المشاركة ليست مجرد حضور بروتوكولي، بل إشارة إلى تغير حقيقي في العلاقة بين موسكو والرياض. فالعلاقة التي ظلت لعقود تدور حول النفط تتجه اليوم نحو قطاعات اوسع.
وقد جاء توقيع ثلاثين اتفاقية تعاون بين البلدين على هامش المنتدى ليؤكد هذا التحول، ويطرح سؤالا مباشرا: هل نشهد بداية شراكة متعددة الأبعاد، أم مجرد اتفاقات على الورق تنتظر التنفيذ؟
قرن من العلاقات الدبلوماسية
تزامنت المشاركة السعودية مع مرور مئة عام على العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والسعودية. وهذه الذكرى تحمل دلالة مهمة، فالعلاقة بين البلدين من أقدم العلاقات التي تربط روسيا بدولة خليجية. وقد عرفت خلال قرن كامل فترات من القرب والفتور والقطيعة ثم العودة، تبعا لتغيرات المنطقة والعالم. واختيار هذا التوقيت لتكثيف التعاون يعكس رغبة الطرفين في تقديم الشراكة الحالية بوصفها امتدادا لتاريخ طويل، لا مجرد خطوة فرضتها ظروف اللحظة.
30 اتفاقية: العدد والقطاعات
قاد الوفد السعودي وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان، واعلن عن توقيع ثلاثين اتفاقية تعاون مع الجانب الروسي. وضم الوفد ممثلين عن مؤسسات وشركات كبرى، في مقدمتها ارامكو، الى جانب قطاعات الصناعة والاستثمار والنقل والطاقة. وحسب ما اعلن، شملت الاتفاقيات قطاعات الطاقة والتعليم والسياحة والصناعة والتعاون بين القطاع الخاص في البلدين.
لكن من المهم الانتباه إلى نقطة اساسية: لم تنشر حتى الأن قائمة رسمية بكل أسماء الاتفاقيات الثلاثين. لذلك يبقى الحديث محصورا في العدد والقطاعات العامة، دون معرفة تفاصيل كل اتفاق. وهذه ملاحظة ضرورية، لان هناك فرقا كبيرا بين اتفاق تنفيذي ملزم ومذكرة تفاهم لا تتعدى إعلان النية.

ويزداد هذا السؤال أهمية حين نتذكر أن وكالة ريا نوفوستي كانت قد تحدثت عن نحو تسعين تفاهما أو اتفاقا وقعت قبل اشهر في الرياض خلال زيارة وفد روسي، الى جانب ما وقع سابقا في منتدى الرياض من اتفاق للاعفاء المتبادل من التأشيرات ومذكرة حول تغير المناخ والتنمية منخفضة الكربون ومذكرة في مجال الارشيف. هذا الكم الكبير من الوثائق يدل على زخم حقيقي، لكنه يجعل التنفيذ هو المعيار الاهم لقياس الجدية.
الطاقة وأوبك بلس
يبقى ملف الطاقة في قلب العلاقة، وهذا ما يفسر ان يقود وزير الطاقة الوفد وأن تحضر ارامكو في الصف الاول. فالتنسيق بين الرياض وموسكو ظل لسنوات الأساس الذي يقوم عليه تحالف أوبك بلس وإدارة أسواق النفط العالمية. وتزداد اهمية اللقاءات الحالية لأنها جاءت في ظل اضطراب عالمي في أسواق النفط والطاقة، حيث تجعل تقلبات الاسعار التنسيق بين منتجين كبيرين ضرورة لا خيارا. فاي خلاف بين الرياض وموسكو ينعكس مباشرة على اسعار النفط في العالم، وهذا ما يجعل بقاء التنسيق بينهما مصلحة مشتركة للطرفين، حتى حين تتباعد مواقفهما في ملفات اخرى.
ومع ذلك، لم تعد الطاقة تعني النفط الخام وحده، بل اتسع مفهومها ليشمل التقنيات والطاقة الجديدة. وبهذا تتحول الطاقة من سلعة يتفق الطرفان على سعرها الى مجال شراكة صناعية وتقنية اعمق.
قطاعات جديدة: تعليم وسياحة وصناعة ونقل واستثمار
الجديد في هذه المرحلة ان العلاقة لم تعد محصورة في النفط، بل امتدت الى التعليم والسياحة والصناعة والنقل والاستثمار. ولكل قطاع دوره في بناء علاقة لا تتأثر بتقلب أسعار النفط.
فالاتفاقيات التعليمية، رغم أنها أقل بروزا من ملفات الطاقة، يمكن أن تبني جسرا طويل المدى بين الجامعات ومراكز البحث والنخب في البلدين. وهي علاقة لا تظهر نتائجها فورا، لكنها تدوم اطول منأي حكومة. اما السياحة والنقل فتنقلان العلاقة من اتفاقات بين الوزارات إلى حركة فعلية للناس والشركات. فحين يتنقل السياح ورجال الأعمال وتفتح خطوط النقل، تتكون قاعدة شعبية واقتصادية يصعب الغاؤها بقرار سياسي مفاجئ. وتبقى الصناعة والاستثمار الاختبار الحقيقي، لانهما يحولان التقارب السياسي الى مصالح ثابتة.
دلالة الإعفاء من التأشيرات والتعاون المناخي
هناك ملفان يستحقان وقفة خاصة. الأول اتفاق الإعفاء المتبادل من التأشيرات. فهو ليس إجراء إداريا بسيطا، بل مدخل عملي لتوسيع السياحة والأعمال والاستثمار والتواصل المباشر بين الشركات؛ فإلغاء التأشيرة يعني ثقة سياسية ورغبة في تسهيل حركة الناس ورؤوس الأموال. وهو يفتح الباب أمام تعاون أوسع بين الشركات السعودية والروسية، ويسهل على رجال الأعمال زيارة البلدين وبحث فرص الاستثمار بشكل مباشر.

والثاني مذكرة التعاون في المناخ والتنمية منخفضة الكربون. وهي تضيف للعلاقة بعدا يتجاوز النفط التقليدي. فالبلدان، وهما من كبار منتجي النفط، يفتحان عبر هذا الملف بابا نحو الطاقة الجديدة والتقنيات الخضراء، ويحجزان موقعا في عالم يتجه إلى خفض الكربون. وهذه خطوة مهمة، لأنها تحمي العلاقة من خطر الاعتماد على سلعة واحدة قد تتراجع اهميتها مستقبلا.
لماذا تهتم موسكو؟.. ولماذا تهتم الرياض؟
لكل طرف حساباته. فموسكو ترى في السعودية شريكا مهما في توجهها نحو الجنوب العالمي وإعادة توجيه اقتصادها بعيدا عن الغرب. فروسيا التي تعيش تحت العقوبات تبحث عن شركاء يملكون القدرة على الاستثمار، والسعودية تجمع تلك الصفات، إضافة الى ثقلها في سوق الطاقة.
أما الرياض فترى في موسكو شريكا مفيدا ضمن سياستها في تنويع علاقاتها وعدم الإعتماد على طرف واحد. فالسعودية تحرص منذ سنوات على توسيع خياراتها والحفاظ على استقلال قرارها عبر علاقات متوازنة مع قوى متعددة. والانفتاح على روسيا لا يعني القطيعة مع واشنطن ولا الابتعاد عن بكين، بل هو جزء من سياسة تهدف الى توسيع هامش الحركة وتقوية موقف الرياض التفاوضي امام الجميع.
التحديات والمخاطر
رغم هذا الزخم، تواجه العلاقة تحديات حقيقية. أولها العقوبات الغربية على روسيا، التي تعقد التحويلات المالية والمصرفية وتفرض على المؤسسات السعودية حذرا كبيرا تجنبا لعقوبات ثانوية. وثانيها حساسية علاقة السعودية مع الولايات المتحدة، التي تبقى شريكا أمنيا واقتصاديا مهما، ما يفرض على الرياض توازنا دقيقا بين انفتاحها على موسكو والتزاماتها تجاه واشنطن.
ويضاف إلى ذلك ان تقلبات سوق النفط نفسها قد تتحول من عامل توحيد إلى مصدر خلاف اذا اختلفت مصالح البلدين حول الإنتاج والأسعار. لكن التحدي الأكبر يبقى في صعوبة تحويل مذكرات التفاهم الى مشاريع فعلية، فكثير من الوثائق توقع في المناسبات ثم تبقى حبرا على ورق. كما ان قلة المعلومات عن تفاصيل الاتفاقيات الثلاثين تزيد من صعوبة الحكم على مدى جدية هذا المسار.
الاستنتاجات
لم يكن منتدى سانت بطرسبورغ 2026 مجرد منصة بروتوكولية، بل لحظة أعلنت انتقال العلاقة الروسية السعودية من إدارة سوق النفط إلى محاولة بناء شبكة مصالح أوسع تشمل التعليم والسياحة والصناعة والنقل والاستثمار والطاقة بمعناها الواسع.
لكن هذا الانتقال لا يزال في بدايته، ولن يقاس نجاحه بعدد الاتفاقيات ولا بحرارة الخطاب، بل بقدرة الطرفين على تحويل الوثائق إلى مشاريع حقيقية. فالعبرة ليست بما وقع على الورق، بل بما سينفذ على الأرض.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4643


