الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةموقف روسيا من الحرب في أوكرانيا.. بين منطق الأمن القومي وحرب الاستنزاف...

موقف روسيا من الحرب في أوكرانيا.. بين منطق الأمن القومي وحرب الاستنزاف وتدويل الأزمة

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية، بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاعها بصورتها المفتوحة، مجرد صراع عسكري محدود بين دولتين متجاورتين، بل تحولت إلى مواجهة طويلة الأمد بين روسيا وأوكرانيا المدعومة بمنظومة غربية واسعة من التسليح والتمويل والدعم الاستخباراتي.

ويعكس التصعيد الأخير الذي شهدته الأسابيع الماضية انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة بعيدة المدى، وحرب الطاقة، والعقوبات الاقتصادية، والمناورات الدبلوماسية، والحرب الإعلامية. وفي هذه المرحلة، لم يعد ميدان القتال محصوراً في خطوط التماس داخل أوكرانيا، بل امتد ليطال العمق الروسي عبر هجمات أوكرانية على البنية التحتية النفطية، كما طال العمق الأوكراني عبر موجات متصاعدة من القصف الروسي على العاصمة كييف ومدن أخرى.

وتقتضي قراءة هذا التصعيد قراءةً متوازنة الإحاطة بثلاث روايات متمايزة: الرواية الروسية التي تربط الحرب بمفهوم الأمن القومي، والرواية الأوكرانية التي تنطلق من الدفاع عن السيادة، والرواية الغربية التي ترى في الصراع محاولةً لتغيير الحدود بالقوة.

التصعيد الأخير ووقائعه

شهدت الفترة الممتدة بين منتصف مايو وأواخره من عام 2026 موجة تصعيد حادة. ففي ليل الثالث عشر إلى الرابع عشر من مايو، نفّذت روسيا ما وُصف بأنه أحد أوسع هجماتها الجوية منذ بدء الغزو، إذ أعلنت السلطات الأوكرانية مقتل عشرات المدنيين في كييف وخاركيف وإصابة آخرين، وتركّز جزء كبير من القصف على أحياء سكنية في العاصمة. وردّت أوكرانيا في السابع عشر من مايو بما وصفته مصادر روسية بأنه أحد أكبر الهجمات بالطائرات المسيرة على منطقة موسكو منذ أكثر من عام. ثم تصاعد التوتر مجدداً مع هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية على بلدة ستاروبيلسك في إقليم لوغانسك الخاضع للسيطرة الروسية، حيث أعلنت موسكو أن الهجوم أصاب مبنى سكنياً تابعاً لكلية وأسفر عن سقوط قتلى بينهم أطفال، في حين نفت كييف استهداف المبنى مؤكدةً أنها استهدفت منشآت عسكرية ووحدة قيادة لطائرات مسيرة.

وفي ليل الثالث والعشرين إلى الرابع والعشرين من مايو، شنّت روسيا ضربة واسعة على كييف وصفتها بأنها ردّ على الهجوم الأوكراني، مستخدمةً مئات الطائرات المسيرة وعشرات الصواريخ، من بينها صاروخ “أوريشنيك” الباليستي الأسرع من الصوت للمرة الثالثة في هذه الحرب وفق ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية. وأفادت السلطات الأوكرانية بمقتل أشخاص وإصابة عشرات، وبتسجيل أضرار في مختلف أحياء العاصمة. وعقب هذه الضربة، أعلنت الخارجية الروسية اعتزامها تنفيذ ضربات منهجية على ما سمّته “مراكز صنع القرار” في كييف، ودعت الرعايا الأجانب والطواقم الدبلوماسية إلى مغادرة العاصمة، وهو ما رأت فيه العواصم الأوروبية تهديداً غير مقبول. وعلى هذه الخلفية، استدعت دول أوروبية عدة، من بينها فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبولندا وبلجيكا وغيرها، إضافةً إلى المفوضية الأوروبية، سفراء روسيا لديها للاحتجاج. وفي موازاة ذلك، أعلن الرئيس الروسي استعداده لقبول وساطة أوروبية لإطلاق محادثات لإنهاء الصراع، وهو ما يكشف عن تداخل التصعيد الميداني مع المسار الدبلوماسي.

الخلفية العامة للحرب الروسية الأوكرانية

تعود جذور الصراع إلى عام 2014، حين أفضت الأزمة السياسية في أوكرانيا إلى ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم، ثم اندلاع نزاع مسلح في إقليم دونباس شرقي البلاد بين القوات الأوكرانية وانفصاليين مدعومين من موسكو. وقد جرت محاولات لاحتواء النزاع عبر اتفاقيتَي مينسك اللتين سعتا إلى وقف إطلاق النار ومنح الأقاليم الشرقية وضعاً خاصاً، لكنهما لم تُنفَّذا بصورة كاملة، وتبادل الطرفان الاتهام بعرقلة تطبيقهما.

الحرب الروسية

وفي فبراير 2022، انتقلت الأزمة إلى حرب مفتوحة مع إطلاق روسيا ما أسمته “العملية العسكرية الخاصة”. وتنظر موسكو إلى الصراع بوصفه مرتبطاً بأمنها القومي وبتمدد حلف الناتو شرقاً نحو حدودها، فيما تعتبره أوكرانيا والدول الغربية انتهاكاً صريحاً لسيادة دولة مستقلة ولوحدة أراضيها ولمبادئ القانون الدولي.

الموقف الروسي من الحرب

يقوم الخطاب الروسي الرسمي على منظومة مفاهيم متكاملة تُستخدم لتأطير الموقف السياسي والعسكري لموسكو. ففي صلب هذا الخطاب يقع مفهوم الأمن القومي، إذ تقدّم روسيا الحرب بوصفها استجابةً اضطرارية لما تعتبره تهديداً وجودياً ناجماً عن توسع الناتو واحتمال انضمام أوكرانيا إليه. ويضاف إلى ذلك خطاب حماية السكان الناطقين بالروسية في شرق أوكرانيا، وهدف “نزع عسكرة” أوكرانيا، وإطار أوسع يصوّر الحرب مواجهةً مع الهيمنة الغربية ومحاولةً لإعادة تشكيل نظام دولي تعتبره موسكو أحادي القطب.

غير أن عرض هذه الرواية لا يعني تبنيها بوصفها حقيقة مطلقة، بل ينبغي فهمها باعتبارها الإطار التبريري الذي تستخدمه موسكو لتسويغ خياراتها. وفي المقابل، يرفض الغرب وأوكرانيا هذا المنطق رفضاً قاطعاً، ويعتبران أن ما تسميه روسيا دواعي أمنية ليس إلا غطاءً لعدوان عسكري يستهدف إخضاع دولة مجاورة وتغيير حدودها بالقوة، وأن مزاعم التهديد لا تبرر اللجوء إلى الحرب.

التصعيد الأخير: منطق الضربات المتبادلة

يكشف نمط الضربات المتبادلة عن منطق حرب استنزاف طويلة. فتزايد الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية الأوكرانية يعكس سعي موسكو إلى إنهاك القدرة الأوكرانية على الصمود، عبر استهداف منشآت الطاقة والصناعة العسكرية ومراكز الإمداد، وإثقال كاهل منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية. وفي المقابل، تعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على الطائرات المسيرة والهجمات بعيدة المدى ضد أهداف داخل العمق الروسي أو في المناطق الخاضعة لسيطرة موسكو، مستهدفةً بصورة خاصة المصافي ومستودعات النفط وموانئ التصدير.

ويعكس هذا النمط انتقال الحرب من معارك السيطرة على الأرض إلى صراع متعدد الأبعاد، يسعى فيه كل طرف إلى إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية والنفسية للطرف الآخر، في ظل عجز كلا الجانبين عن تحقيق حسم عسكري سريع وحاسم على خطوط التماس.

كييف وموسكو الرسائل السياسية وراء الضربات العسكرية

لا تحمل الضربات بعداً عسكرياً صرفاً، بل تنطوي على رسائل سياسية موجّهة. فبالنسبة إلى موسكو، يبدو أن الضربات الواسعة على كييف تهدف إلى إظهار القدرة على التصعيد متى شاءت، وفرض كلفة بشرية واقتصادية على أوكرانيا وحلفائها، وردع الدعم الغربي عبر التذكير بمخاطر التورط الأعمق. ويُقرأ استخدام صاروخ “أوريشنيك” في هذا السياق بوصفه رسالة ردع استراتيجي تتجاوز الهدف العسكري المباشر.

أما بالنسبة إلى كييف، فإن الهجمات على العمق الروسي تهدف إلى إثبات أن الحرب لم تعد بعيدة عن الداخل الروسي، وأن لأوكرانيا القدرة على إيصال الكلفة إلى الأراضي الروسية ذاتها، بما يضغط على الرأي العام الروسي ويقوّض صورة الاستقرار الداخلي. كما تسعى كييف من خلال هذه الهجمات إلى إقناع شركائها الغربيين بجدوى الاستمرار في تزويدها بالسلاح، عبر البرهنة على قدرتها على توظيفه بفعالية.

الموقف الأوروبي واستدعاء السفير الروسي

شكّل استدعاء عدد من الدول الأوروبية لسفراء روسيا، ومن بينها فرنسا التي استدعت السفير الروسي لديها، مؤشراً على تصاعد الغضب الأوروبي إزاء التهديدات الروسية الأخيرة والضربات الواسعة على كييف. ومن الناحية الدبلوماسية، يحمل استدعاء السفير دلالة مزدوجة: فهو من جهة إجراء احتجاجي رمزي يعبّر عن الرفض، ومن جهة أخرى جزء من محاولة أوروبية لرفع منسوب الضغط السياسي على موسكو وإبراز موقف موحد.

وقد ربطت العواصم الأوروبية موقفها هذا بدعوات لمواصلة دعم أوكرانيا، لا سيما في مجال أنظمة الدفاع الجوي، وبالنقاش المتجدد حول توسيع العقوبات وزيادة الدعم العسكري. غير أن فاعلية هذه الأدوات الدبلوماسية تظل محدودة في ظل استمرار التصعيد الميداني، بل إن التوتر الناجم عنها قد يعقّد أي مسعى أوروبي للاضطلاع بدور الوساطة في تسوية محتملة.

الطاقة والاقتصاد في معادلة الحرب

تحوّلت الطاقة إلى عنصر مركزي في الحرب على مستويات متعددة. فمن جهة، يشكّل استهداف روسيا للبنية التحتية الكهربائية والطاقوية الأوكرانية أداةً للضغط على قدرة كييف على الصمود، لا سيما في فصول الذروة. ومن جهة أخرى، تستهدف الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى المصافي ومنشآت تصدير النفط الروسية، في محاولة لتقليص العائدات التي تموّل المجهود الحربي الروسي.

وفي المقابل، تكشف بنية قطاع الكهرباء الروسي عن قدر من المتانة الداخلية النسبية؛ فبيانات مزيج توليد الكهرباء في روسيا خلال عام 2025 تشير إلى أن الغاز الطبيعي يشكّل الحصة الأكبر بنحو خمسة وأربعين في المئة، يليه كل من الطاقة النووية بنحو تسعة عشر في المئة، والفحم بنحو ثمانية عشر في المئة، والطاقة الكهرومائية بنحو سبعة عشر في المئة، فيما تظل حصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية محدودة للغاية. ويعكس هذا المزيج طبيعة الاقتصاد الروسي القائم على وفرة الموارد الأحفورية، ويفسّر جانباً من قدرته على الحفاظ على استقرار داخلي نسبي في إمدادات الكهرباء رغم الضغوط. لكنه في الوقت ذاته يكشف عن حدود التحول الطاقوي الروسي، وعن استمرار الاعتماد على نموذج تقليدي يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية وللعقوبات.

العقوبات الغربية وحدود الضغط على روسيا

أحدثت العقوبات الغربية أثراً ملموساً في الاقتصاد الروسي، عبر تقييد الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة والتمويل الدولي، ورفع كلفة التجارة الخارجية، وفرض ضغوط على بعض القطاعات الحيوية. غير أن هذه العقوبات اصطدمت بحدود واضحة، إذ نجحت موسكو إلى حدّ بعيد في إعادة توجيه تجارتها نحو آسيا، خصوصاً الصين والهند، وكذلك نحو الشرق الأوسط وإفريقيا، بما خفّف من وطأة الانقطاع عن الأسواق الغربية.

ومما زاد من تعقيد المشهد أن بعض القيود على صادرات النفط الروسي شهدت تخفيفاً في ظل الحاجة العالمية إلى تعويض نقص الإمدادات الناجم عن توترات إقليمية أخرى. ومع ذلك، تظل روسيا تواجه تحديات بنيوية حقيقية تتمثل في صعوبة الوصول إلى التكنولوجيا الدقيقة، والضغوط التضخمية، والقيود على الاستيراد، وارتفاع كلفة حرب طويلة الأمد على الموازنة العامة. وبذلك، فإن العقوبات أضعفت الاقتصاد الروسي من دون أن تشلّه، وهو ما يجعل أثرها تراكمياً وبطيئاً أكثر منه حاسماً وفورياً.

هل يقود التصعيد إلى مفاوضات أم إلى حرب أطول؟

تتعدد السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب. فقد يستمر نمط حرب الاستنزاف مع تصاعد الضربات المتبادلة من دون حسم، وقد يدفع التصعيد الغرب إلى زيادة دعمه لأوكرانيا، كما قد تسعى روسيا إلى فرض وقائع ميدانية تعزّز موقفها التفاوضي.

وفي المقابل، يبقى احتمال العودة إلى مسار تفاوضي قائماً، وإن بشروط صعبة، خصوصاً في ضوء إشارات روسية إلى استعداد لقبول وساطة لإطلاق محادثات. غير أن العائق الأساسي أمام أي تسوية يكمن في أن كلا الطرفين ما زال يعتقد أن الوقت قد يعمل لصالحه؛ فموسكو تراهن على إنهاك القدرة الأوكرانية وتآكل الدعم الغربي، بينما تراهن كييف وحلفاؤها على استمرار النزيف الاقتصادي الروسي وتراكم كلفة الحرب. وهذا التباين في الحسابات يجعل التسوية السياسية معقدة وبعيدة المنال في المدى المنظور.

خاتمة

لا يمكن قراءة التصعيد الأخير بوصفه حادثاً منفصلاً، بل هو جزء من تحول عميق في طبيعة الحرب، التي باتت صراعاً طويلاً على الإرادة والموارد والقدرة على التحمّل أكثر منها معركة لحسم عسكري سريع. ويقوم الموقف الروسي على ربط الحرب بمفهوم الأمن القومي ومواجهة الغرب، في حين ترى أوكرانيا والدول الغربية أن جوهر المسألة يتعلق بالسيادة وبمنع تغيير الحدود بالقوة.

وفي ظل هذا التباين الجذري في الروايات والأهداف، يبدو أن مستقبل الحرب سيتوقف على ثلاثة عوامل متشابكة: ميزان القوى الميداني الذي يحدد قدرة كل طرف على فرض شروطه، وقدرة الاقتصادين الروسي والأوكراني على الصمود في مواجهة كلفة الحرب المتصاعدة، ومستوى استعداد الغرب لمواصلة دعمه السياسي والعسكري لكييف. وما لم تتبدّل المعادلة في أحد هذه المحاور، فإن الأرجح أن تظل الحرب عالقة في دائرة التصعيد والاستنزاف، مع بقاء أفق التسوية مفتوحاً نظرياً لكنه محفوف بالعقبات عملياً.

مقالات ذات صلة