د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية
وسط أجواء متوترة، وصل المنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم يوم الأحد الماضي 7 يونيو 2026 إلى مقر إقامته في مدينة “تيخوانا” المكسيكية، بعد تأخير دام ساعات طويلة في مطار أنقرة، وأشهر من الغموض حيال مشاركته في بطولة كأس العالم “مونديال 2026” جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
تنظم بطولة هذا العام لأول مرة في تاريخها ثلاث دول في أمريكا الشمالية بشكل مشترك؛ وهي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. من المقرر أن تبدأ أولى المباريات مساء الخميس 11 يونيو 2026 بين منتخبي المكسيك وجنوب أفريقيا في إطار منافسات المجموعة الأولى في ملعب “أزتيكا” بالعاصمة “مكسيكو سيتي”.
غلبت الأجواء السياسية على مشهد وصول المنتخب الإيراني إلى مطار تيخوانا الدولي، حيث علق اللاعبون على ستراتهم “دبابيس ذهبية” تشكل رقم (168)، في إشارة إلى عدد تلميذات مدرسة “الشجرة الطيبة” اللواتي قتلوا في أول أيام الحرب في 28 فبراير الماضي، إثر غارة أمريكية إسرائيلية على مدينة “ميناب” بمحافظة “هرمزجان” جنوبي إيران.
كانت بعثة المنتخب الإيراني قد سافرت يوم السبت الماضي على متن طائرة خاصة من “أنطاليا” إلى “تيخوانا”، بعد تغيير مفاجئ في الخطط قبل أسبوعين، حيث تقرر استخدام المكسيك كمقر معسكر تدريب بدلًا من مدينة “توسان” بولاية أريزونا الأمريكية.
من المقرر أن يلعب المنتخب الإيراني مبارياته الثلاث في دور المجموعات داخل الولايات المتحدة، مما أدى إلى تأخير إصدار تأشيرات اللاعبين، كما رُفضت تأشيرات بعض أعضاء البعثة بحجة صلاتهم بالحرس الثوري، وفق ما أفادت به السلطات الإيرانية.
مونديال 2026
سيواجه المنتخب الإيراني في مدينة “إنجلوود” بمقاطعة لوس أنجلوس كلًا من نظيره النيوزيلندي يوم 15 يونيو، ونظيره البلجيكي يوم 21 يونيو، ثم نظيره المصري في مدينة “سياتل” يوم 26 يونيو.
من الممكن أن يلتقي منتخبا إيران وأمريكا في الدور الثاني والثلاثين في الثالث من يوليو المقبل في ملعب “دالاس كاوبويز” في مدينة “أرلينجتون” بولاية تكساس، إذا احتل كلاهما المركز الثاني في مجموعتيهما.

كان المنتخب الإيراني قد حسم تأهله إلى بطولة كأس العالم في 25 مارس 2025، حيث أصبح من أوائل المنتخبات الضامنة تواجدها في البطولة، لكن بعد مرور أكثر من عام، تحولت مشاركة إيران إلى واحدة من أكثر القصص تعقيدًا وتسييسًا في تاريخ هذه كأس العالم.
عراقيل عديدة واجهتها بعثة المنتخب الإيراني بداية من الموافقة على صدور تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة ورفض بعضها، نهاية بالغموض المحيط بمكان معسكر التدريبات والإقامة إلى أن استقر المقام بالمنتخب في المكسيك عقب رحلة طويلة من الصعاب.
إصدار التأشيرات
كانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت عن إصدار تأشيرات أعضاء الفريق الإيراني الأساسيين، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لن تسمح بإدخال إرهابيين (الحرس الثوري) إلى الدولة تحت غطاء كأس العالم.
في المقابل، لم يتمكن عدد من أعضاء البعثة الإيرانية من الحصول على التأشيرات؛ ومن بينهم رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم “مهدي تاج”، حيث كان قد انتقد مرارًا تأخير إصدار التأشيرات وعراقيل التواصل مع المسؤولين الأمريكيين، وحذر في مرحلة ما من أن إيران قد تنسحب من كأس العالم إذا استمر الوضع على هذه الوتيرة.
وكانت مؤشرات المشكلات الأولى قد بدأت بالظهور خلال حفل قرعة كأس العالم بواشنطن؛ ففي ديسمبر 2025، لم يتمكن سوى أربعة أشخاص من أعضاء الاتحاد الإيراني لكرة القدم من حضور الحفل، من بين 9 أفراد كانوا قد تقدموا بطلبات الحصول على تأشيرات.
المكسيك بدلًا من أمريكا
لم تقتصر مشكلات إيران على مسألة التأشيرات فحسب؛ ففي البداية، كان المنتخب الوطني قد خطط لإقامة معسكره الرئيسي في مدينة “توسان” بولاية أريزونا الأمريكية، لكنه نقل المقر في نهاية المطاف إلى مدينة “تيخوانا” في المكسيك.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد وافق على طلب إيران بنقل معسكرها التدريبي إلى المكسيك، وصرح السفير الإيراني في مكسيكو سيتي “أبو الفضل پسنديده” بأن المنتخب الوطني قد أُبلغ بأن على اللاعبين دخول الأراضي الأمريكية في أيام المباريات فقط، ومغادرة البلاد فور انتهائها.
من جانبها، أعلنت رئيسة المكسيك “كلوديا شينباوم” أن الولايات المتحدة لم تكن ترغب في مبيت المنتخب الإيراني على أراضيها، وأن الفيفا طلب من المكسيك استضافة المنتخب الإيراني.
بناءً على ذلك، سيستقر المنتخب الإيراني في المكسيك، ثم يسافر إلى الولايات المتحدة لخوض مبارياته ضد نيوزيلندا وبلجيكا في “لوس أنجلوس”، وضد مصر في “سياتل”، إذ يعد هذا الترتيب اللوجستي واحدًا من أكثر الترتيبات غير المألوفة لأي فريق مشارك في تاريخ كأس العالم.
الرياضة.. جسر تلاقي استثنائي بين طهران وواشنطن
على الرغم من توتر العلاقات الإيرانية الأمريكية على مدار عقود، كانت الرياضة، ولا سيما كرة القدم، واحدةً من مجالات التواصل المباشر بين البلدين.
المواجهة الكروية الأشهر بين البلدين جرت في كأس العالم 1998 في فرنسا؛ حيث فازت إيران على الولايات المتحدة بنتيجة 2-1، وخلدت هذه المباراة في ذاكرة كرة القدم العالمية صورة اللاعبين الإيرانيين وهم يهدون زهورًا بيضاء إلى منافسيهم الأمريكيين.
في يناير 2000، سافر المنتخب الإيراني إلى الولايات المتحدة لخوض مباراة ودية، حيث التقى الفريقان على ملعب “روز بول” في “باسادينا” بولاية كاليفورنيا؛ وهو ملعب يبعد أقل من 30 كيلومترًا عن مكان إقامة مباراة إيران الأولى في بطولة هذا العام.
تلك المباراة كادت أن تُلغى، بسبب قضايا أمنية وعراقيل إصدار التأشيرات، لكن في النهاية، تابع المباراة أكثر من 50 ألف متفرج من أرض الملعب، وانتهت بالتعادل الإيجابي 1-1.
التقى الفريقان مرة ثالثة في كأس العالم 2022 في قطر؛ حيث فازت الولايات المتحدة بهدف نظيف على إيران، ما أدى إلى خروج المنتخب الإيراني من المنافسات نهائيًا.
لوس أنجلوس.. مركز أكبر جالية إيرانية في الخارج
ستُقام أول مباراتين للمنتخب الإيراني في مقاطعة “لوس أنجلوس” التي تضم واحدةً من أكبر الجاليات الإيرانية خارج البلاد.
منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 وتعاقب السنوات، تحولت لوس أنجلوس إلى واحدةٍ من أهم مراكز المهاجرين الإيرانيين، حيث لعبت دورًا بارزًا في تشكيل هوية الجالية الإيرانية في الخارج.
من ناحية أخرى، يُعد جنوب كاليفورنيا معقلًا لنشاط معارضي الجمهورية الإسلامية، ومن المتوقع أن تشهد المناطق المحيطة بالملاعب تنظيم تجمعات احتجاجية بالتزامن مع إقامة مباريات إيران.
هذا الأمر سيخلق أجواءً مختلفةً تمامًا عما تعيشه معظم المنتخبات الأخرى المشاركة في بطولة كأس العالم، وسيلقي بظلاله على أداء المنتخب الإيراني بشكل أو بآخر.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4691


