الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةنهاية لعبة أوباما.. ترامب يرسم إيران بقلمه لا بقلم سلفه

نهاية لعبة أوباما.. ترامب يرسم إيران بقلمه لا بقلم سلفه

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في الشأن الإيراني

صار الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران من أكثر القضايا الداخلية إثارةً للجدل في الولايات المتحدة، وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن الخلافات في العاصمة الأمريكية تتزايد حول شكل الاتفاق، والتنازلات المحتملة لإيران، ومستوى الثقة في طهران، والسؤال الأهم هو: ما الذي يرغب “ترامب” في تقديمه مقابل التزام إيران بتعهداتها النووية؟

لقد صرح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في خطاباته الأخيرة: “يجب ألا تمتلك إيران أسلحة نووية أبدًا”. لكن هذا الموقف المتشدد وضع إدارته الآن أمام أسئلة صعبة: متى ستنتهي الحرب؟ وما هي التنازلات التي ستحصل عليها إيران مقابل الانسحاب النووي؟

مضيق هرمز والملف النووي: عقدتان شائكتان في اتفاق ترامب مع إيران

العقدة الأولى هي مضيق هرمز. فمنذ بداية الحرب، حولت إيران مضيق هرمز –الذي يمثل أهم طرق نقل النفط في العالم– إلى أداة ضغط، حيث تقول “سوزان مالوني”، مديرة السياسة الخارجية في معهد بروكينجز: “لن تفتح طهران المضيق بالكامل دون تقديم تنازلات”. وترى أن إيران تستفيد استراتيجيًا الآن من إغلاق مضيق هرمز أو السيطرة عليه، ولا ترغب في العودة إلى الوضع السابق دون استغلال هذه الأداة سياسيًا واقتصاديًا، لكن هذا الأمر يُشكل خطرًا على الولايات المتحدة والعالم.

ويحذر “مارك كانسيان”، الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، من أنه إذا ظلت إيران تفرض سيادتها على المضيق، فسوف يشكل ذلك خطرًا كبيرًا على الممرات الاستراتيجية الأخرى في العالم؛ فلن تقتصر قضية هرمز على إيران فحسب، بل تتعلق بقواعد الملاحة العالمية وحرية المرور في نقاط دولية حساسة.

أما عن العقدة الثانية، وهي الملف النووي؛ فقد قدم “دونالد ترامب” أسبابًا عديدة لخوض الحرب، لكن البرنامج النووي الإيراني ظل محور خطابه، لا سيما أمام الناخبين الجمهوريين الذين يعانون أيضًا من ارتفاع أسعار الوقود المصاحبة للحرب. ويجب على البيت الأبيض أن يوضح لهم أن تكاليف الحرب ستمنع إيران في نهاية المطاف من امتلاك سلاح نووي. لكن تاريخ الاتفاق النووي الإيراني لا يزال يُلقي بظلاله على المفاوضات؛ فقد التزمت إيران بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية قبل عقد من الزمن في عهد أوباما، بموجب اتفاق شامل انسحب منه “ترامب” لاحقًا، واصفًا إياه بالضعيف والمُضر. والآن، عليه صياغة اتفاق تراه قاعدته السياسية مختلفًا عن ذلك الاتفاق.

وقال “ليندسي جراهام”، حليف “ترامب” القديم وأشد المؤيدين للحرب مع إيران: “إن أي اتفاق يُبقي إيران في موقع قوة سيكون كابوسًا لإسرائيل، فإذا استمرت طهران في تهديد مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية في المنطقة، فإن ميزان القوى في الشرق الأوسط سيتغير”.

كما اتخذ “توم كوتون”، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي، موقفًا مماثلًا، وحذر “روجر ويكر”، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، من أن الاعتماد على حسن نية إيران في وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا قد يكون كارثيًا ويُقوض مكاسب العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة. وسرعان ما أثر هذا الضغط الداخلي على لهجة “ترامب” الذي كان يتحدث عن اتفاق وشيك حتى الساعات القليلة الماضية، وشدد فجأة على أنه لن يوقع اتفاقًا سيئًا مع إيران، وأن أي اتفاق يجب أن يكون أفضل من اتفاق أوباما. وصرح أنه طلب من فريق التفاوض عدم التسرع؛ وهي عبارة أظهرت أن البيت الأبيض لم يعد بإمكانه تجاهل موجة الاحتجاجات الجمهورية.

وهكذا، يواجه “ترامب” الآن ليس فقط الديمقراطيين، بل أيضًا بعض الجمهوريين، وعددًا من الشخصيات البارزة في حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، وحتى بعض حلفائه السابقين. من جانبهم، يقول الديمقراطيون إن “ترامب” لم يوقف البرنامج النووي الإيراني، ولم يُضعف نظام طهران، ولم يكبح جماح قوتها الإقليمية.

إسرائيل تحت ضغط بشأن اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة

في حين تشير التقارير إلى بذل جهود مكثفة للتوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن، تقول مصادر إسرائيلية وغربية إن التوصل إلى اتفاق نهائي لا يزال بعيد المنال. ووفقًا للقناة 12 الإسرائيلية، لا تزال هناك خلافات جوهرية بين الجانبين، والنص الحالي أقرب إلى إطار عام غير مكتمل منه إلى اتفاق جاهز للتوقيع.

وبحسب التقرير، يتضمن التفاهم الناشئ وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا تقريبًا، وفتح مضيق هرمز أمام تدفق النفط. في المقابل، ستُناقش قضايا أكثر حساسية، مثل البرنامج النووي الإيراني ومصير اليورانيوم المخصب في مرحلة لاحقة. وقد زاد هذا من قلق إسرائيل. وتقول مصادر مطلعة إن قضايا مثل الضمانات الأمنية لإيران، وحدود برنامجها الصاروخي، ودعم طهران للجماعات الإقليمية، لم تُحسم بعد، ولن يكون التوقيع النهائي على الاتفاق مؤكدًا حتى يتم توضيح هذه الملفات.

في تل أبيب، يكمن القلق الرئيسي في أن اتفاقًا غير مكتمل سيمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا وعسكريًا قبل كبح قدرات إيران النووية والصاروخية بشكل فعلي. يخشى المسؤولون الإسرائيليون أن تخفيف الضغط سيسمح لإيران بإعادة بناء قوتها المالية والعسكرية مع الحفاظ على نفوذها الإقليمي على جبهات مثل لبنان وسوريا والبحر الأحمر؛ لهذا السبب، صعدت إسرائيل ضغوطها على واشنطن.

وتحث تل أبيب الولايات المتحدة على عدم التسرع في توقيع اتفاق قد يحد من حرية إسرائيل في التحرك في لبنان أو ضد أهداف إيرانية. لذلك كانت المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية تتابع المفاوضات بشك وحذر؛ فمن وجهة نظرها، تمكنت إيران من تعزيز بعض قدراتها العسكرية والإقليمية خلال الأشهر الماضية رغم العقوبات. لذلك، فإن أي انفتاح اقتصادي دون ضمانات صارمة قد يعني، من وجهة نظر تل أبيب، كسب الوقت لطهران.

نهج ترامب الثلاثي تجاه إيران

يرى “دون ريني”، خبير الشؤون الدولية، أن إدارة “ترامب” غير مستعدة للسماح للمفاوضات مع إيران بالتحول إلى عملية طويلة ومُستنزفة، تُشكل في الواقع غطاءً لتطوير برنامج طهران النووي. ويمكن أن يكون تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المُجمدة جزءًا من حوافز التوصل إلى اتفاق، ولكن بشرط أن تُقدم طهران تنازلات ملموسة وعملية وقابلة للتحقق. ويجب أن يتسم أي اتفاق مُحتمل بثلاث خصائص: أن يكون قويًا، وقابلًا للتنفيذ، وأن يُزيل خطر امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. كما يرى “ريني” ثلاثة مسارات أمام طهران: الدبلوماسية، أو استمرار الضغط الاقتصادي، أو المواجهة العسكرية. ويأمل “ريني” أن تختار إيران مسار الدبلوماسية قبل أن تتفاقم الأزمة.

ترامب بين مأزق إيران وتراجع الهيمنة الأمريكية

ويعتقد “دون ريني” أن الاختلافات في التكتيكات أمر طبيعي، لكن يجب أن يكون هناك اتفاق واسع النطاق على الهدف الرئيسي: منع إيران من امتلاك سلاح نووي. ويرى أن هذه القضية تتجاوز التنافس الحزبي، وهي مُتفق عليها من قِبل العديد من الأمريكيين وحلفاء واشنطن. ويؤكد أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تقوم أيضًا على أساس مخاوف أمنية مشتركة، لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لجماعات المقاومة.

ومع ذلك، يقول “ريني”: “إن ترامب سيتخذ قراراته في نهاية المطاف بناءً على المصالح الوطنية الأمريكية والاستقرار العالمي، وليس على الضغوط الخارجية. ويرى أن تعاون واشنطن وتل أبيب دليل على التوافق الاستراتيجي، وليس على السيطرة أو فرض السياسة من الخارج”.

فيما يتعلق بانتخابات التجديد النصفي والضغوط التي يمارسها الكونجرس، يُقر “دون ريني” بأن السياسة الخارجية تتأثر دائمًا بالعوامل الداخلية، لا سيما عندما تُلقي أسعار الطاقة والمخاوف الاقتصادية بظلالها على الناخبين. لكنه يُصر على أن الملف النووي الإيراني ليس قضيةً آنية، وأن تداعياته مرتبطة باستقرار العالم على المدى البعيد.

كما يُدافع عن قرار “ترامب” بتعليق العمليات العسكرية مؤقتًا، واصفًا إياه بأنه دليل على ضبط النفس. ويقول “ريني”: “إن ترامب أبقى الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، وفي الوقت نفسه حافظ على ضغط فعال. يبقى الخيار العسكري قائمًا، لكن واشنطن تُفضل تجربة المسار السلمي طالما كان التوصل إلى اتفاق ذي مصداقية ممكنًا”.

وصرح “دينيس سيترينوفيتش”، كبير محللي الشؤون الإيرانية في معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي، على منصة إكس قائلًا: “تمتلك واشنطن القدرة العسكرية على زعزعة استقرار النظام الإيراني بشدة، وربما حتى انهياره؛ لكن القضية الحقيقية لا تكمن في مجرد القدرة، بل في التكلفة والإرادة السياسية اللازمتين لمثل هذا المشروع”.

والحقيقة أن الموارد اللازمة للإطاحة بالنظام الإيراني تتجاوز بكثير ما ترغب أي إدارة أمريكية في إنفاقه اليوم. شكلت هذه الفجوة إحدى التناقضات الاستراتيجية في السنوات الأخيرة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران: فقد طُرحت أهداف قريبة من تغيير النظام، لكن لم تُوفر الوسائل اللازمة لتحقيقها على نحوٍ مماثل.

عمليًا، سعت واشنطن إلى تحقيق أقصى قدر من النتائج بإمكانيات محدودة؛ أرادت الولايات المتحدة وحلفاؤها تراجع طهران، وتقليص نفوذها الإقليمي، وكبح برامجها الحساسة، لكنهم لم يكونوا مستعدين لتحمل تكلفة مشروع تغيير نظام شامل. لهذا السبب، أصبح الاعتماد على الوكلاء والشركاء الإقليميين وجهات فاعلة كالأكراد جزءًا من هذه الاستراتيجية. بات من الواضح الآن أكثر من أي وقت مضى أن العودة إلى عملية عسكرية محدودة ضد إيران من غير المرجح أن تُغير حسابات طهران الأساسية؛ لقد أظهرت إيران قدرتها على الصمود أمام ضغوط هائلة للحفاظ على نظامها ومكانتها الإقليمية، وقد زادت هذه المرونة من تعقيد حسابات واشنطن.

في المقابل، تنطوي الخيارات الأكثر جذرية على مخاطر جسيمة؛ فمهاجمة البنية التحتية للطاقة الإيرانية أو تصعيد الأزمة إلى مستوى أوسع في الخليج، قد يُصيب سوق الطاقة العالمي بصدمة، ويُرهق الاقتصاد العالمي، بل وقد يُخلف عواقب بيئية طويلة الأمد. وقد أدى ذلك إلى خلق نوع من الردع المتبادل على محور الطاقة بين واشنطن وطهران؛ إذ يدرك كلا الجانبين أن تجاوز خطوط معينة قد يُشعل أزمة لا يستطيع أي منهما السيطرة عليها بشكل كامل. إيران تدرك أن الإخلال بأمن الطاقة قد يُولد ضغطًا عالميًا، والولايات المتحدة تدرك أن اتخاذ إجراءات ضد البنية التحتية الحساسة لإيران قد يؤثر بشكل كبير على منطقة الخليج وأسواق الطاقة العالمية.

  • مقال تحليلي منشور في وكالة الأنباء الإيرانية “فرارو” بعنوان: ترامپ چگونه می‌خواهد توافقی بهتر از برجام ارائه کند؟

مقالات ذات صلة