الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخباريةهل أمريكا بصدد هجوم بري على إيران؟

هل أمريكا بصدد هجوم بري على إيران؟

د. سيد أحمد فؤاد أكاديمي وباحث في الشأن الإيراني

لقد أدى فشل الجولة الأولى من المفاوضات، بالإضافة إلى الحصار البحري الأمريكي لإيران، إلى زيادة احتمالية هجوم بري على البلاد. وفي هذا الصدد كتبت صحيفة “اطلاعات” الإيرانية: في خطوة متناقضة، مدد “دونالد ترامب” من جانب واحد وإلى أجل غير مسمى وقف إطلاق النار مع إيران، بينما واصل في الوقت نفسه الحصار البحري وصعّد التهديدات العسكرية.

وتثير هذه المفارقة الظاهرة سؤالًا جوهريًا: هل وقف إطلاق النار هذا دليل على انسحاب حقيقي من الحرب، أم أنه عملية تضليل لتمهيد الطريق لهجوم مفاجئ؟ فعندما يُبدي الرئيس الأمريكي، من جهة، بادرة سلام، ومن جهة أخرى، يأمر بحصار السواحل الإيرانية، فإن مصداقية أي نوايا للسلام تتلاشى بالفعل.

أدى هذا الوضع المعلق، “لا حرب ولا سلام”، إلى غرق الموقف في دوامة من الغموض الاستراتيجي أكثر من أي وقت مضى. فيما تشير التجارب التاريخية أيضًا إلى أنه نظرًا للحرب النفسية التي ينتهجها “ترامب” وتصرفاته غير المتوقعة، ينبغي توقع أي تحرك من الولايات المتحدة وشريكها الاستراتيجي في المنطقة، الكيان الصهيوني.

إلا أن الواقع على الأرض يُظهر صورة مختلفة؛ فلا تزال إيران تسيطر سيطرة كاملة على مضيق هرمز، وقد فشلت الولايات المتحدة، رغم كل جهودها، في فرض حصار فعال على إيران، وتواصل إيران تصدير نفطها في ظل هذه الظروف. وفي الوقت نفسه، يحاول “ترامب” تصوير هذا التراجع العملياتي وكأن إيران تعاني من اضطراب داخلي وأن النظام في موقف ضعف وعجز عن اتخاذ القرارات، إلا أن الأدلة الموضوعية تُفنّد هذا الادعاء بشكل قاطع.

إن فشل الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد، واحتجاز الولايات المتحدة لسفينة إيرانية، ورفض طهران الصريح لأي مفاوضات تحت الضغط، كلها تشهد على أن إيران ليست فقط على أهبة الاستعداد على الأرض، بل إنها خططت بدقة لسيناريوهات أكثر تعقيدًا، بما في ذلك الهجوم البري.

المعضلة الاستراتيجية: وقف إطلاق النار أم الاستعداد للهجوم البري؟

يشير الانتشار المكثف للقوات الأمريكية في المنطقة، وظهور مؤشرات عملياتية فيها، إلى جانب تمديد وقف إطلاق النار، إلى تحول محتمل في استراتيجية واشنطن. ويعزز التزايد المطرد في القدرات العسكرية في المنطقة، رغم جهود الوساطة لإنهاء الحرب، الفرضية القائلة بأن خطوة “ترامب” الأخيرة لا تهدف فقط إلى الردع، بل أيضًا إلى ممارسة ضغط، أو حتى تمهيدًا لخيارات أكثر عدوانية. ويعكس هذا النهج حسابات محفوفة بالمخاطر، زادت من احتمالية انتهاك التعهد السابق بعدم التدخل البري، وذلك ما يدفع احتمالية الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة.

هل أمريكا بصدد هجوم بري على إيران؟

وبينما يشدد الأمريكيون على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، فقد حاولوا، في تناقض واضح، إغلاق هذا الممر المائي الدولي. فلم تُؤدِّ هذه السياسة المزدوجة إلى زيادة حدة التوتر في مضيق هرمز فحسب، بل لقد زعزعت أيضًا النظام الأمني ​​في المنطقة بشكل خطير. وتُخلّ هذه الإجراءات بالتوازن الهش في المنطقة، وتُقوِّض مناخ الثقة الضروري لأي حوار بنّاء.

هذا وهناك تقارير غير مؤكدة تفيد بأن “ترامب” أعلن للجانب الباكستاني السماح للسفن الإيرانية بالإبحار على طول سواحله. إذا صحّ ذلك، فسيمثل تراجعًا رسميًا للولايات المتحدة عن مواقفها السابقة. ومع ذلك، فإن معايير اتخاذ القرار تعتمد على التقارير الميدانية والحقائق القابلة للتحقق، ولن يُنظر بجدية في المشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات إلا بعد تأكيد القوات المسلحة رسميًا لهذا التراجع. إن استمرار هذا النهج سيجعل طاولة المفاوضات عديمة الجدوى عمليًا، ويدفع الوضع نحو أزمة شاملة تتحمل إدارة “ترامب” مسؤوليتها المباشرة.

جاهزية إيران الميدانية: من الدفاع إلى إعادة التوازن

من جهة أخرى، لا يستند رد طهران الرسمي إلى الخوف، بل إلى فهم تاريخي عميق وعقيدة دفاعية راسخة. وقد شكّلت الذاكرة الجماعية لمعركة السنوات الثماني، التي فُسّرت على أنها حرب وجودية ضد تحالف القوى العالمية، الأساس النفسي والاستراتيجي للمقاومة الحالية.

ولقد رسّخت هذه التجربة التاريخية الاعتقاد في البنية الدفاعية والسياسية للبلاد بأن بقاء النظام في وجه الضغوط الخارجية يتطلب مقاومة شاملة، وقد أعدّ المخططون الحربيون الإيرانيون أنفسهم لأي سيناريو استنادًا إلى هذه التجربة، فضلًا عن تجربة الحربين الأخيرتين. لذا، لا ينبغي اعتبار تصريحات المسؤولين الإيرانيين الذين يرحبون بالمواجهة البرية مجرد دعاية، بل يجب تحليلها في إطار هذه العقلية التاريخية ومحاولة تحويل أي غزو محتمل إلى ساحة لاختبار الصمود الوطني.

ومن خلال تبني تشكيل قتالي كامل والحفاظ على اليقظة، فقد قلّصت القوات المسلحة احتمالية المفاجأة الاستراتيجية من جانب الولايات المتحدة. وتعتمد البنية الدفاعية الإيرانية لمواجهة غزو واسع النطاق على هيكلية لا مركزية وحرب مشتركة. ويتمثل جوهر هذه الخطة في تقسيم القيادة إلى وحدات عملياتية مكتفية ذاتيًا على مستوى المحافظات لتقليل احتمالية التعرض للهجوم على مراكز القيادة. ويجبر هذا النهج المهاجم على الانخراط في وقت واحد على جبهات متعددة ومتنوعة: معركة تقليدية على خطوط المواجهة وحرب استنزاف في عمق الأراضي. يهدف هذا التصميم الذكي إلى تحويل أي عملية عسكرية إلى حملة مكلفة وطويلة الأمد، يتم فيها تحييد التفوق التكنولوجي للمهاجم، ويؤول زمام المبادرة إلى المدافع.

اختراق الحصار، وإرساء النظام الأمني الجديد

تؤكد التطورات الميدانية والتحليلات الدولية تغير موازين القوى في المنطقة، فيما أقرت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن إيران، باستخدامها طائرات مسيرة انتحارية رخيصة الثمن وصواريخ كروز، قد تمكنت من إضعاف أنظمة الدفاع الأمريكية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، والحد من فعالية حاملات الطائرات. كما يشير التقرير أيضًا إلى قدرات إيران في مجال الحرب الإلكترونية على تعطيل شبكات الاتصالات الأمريكية.

وتؤكد الأدلة الميدانية هذا التفوق العملياتي؛ فبحسب التقارير، تمكنت 26 سفينة على الأقل تابعة للأسطول الإيراني من عبور خط الحصار الذي أعلنته الولايات المتحدة. كما دخلت ناقلة نفط إيرانية عملاقة المياه الإقليمية الإيرانية بأمان تام بدعم من القوات البحرية، وذلك رغم التهديدات المتكررة من الأسطول الأمريكي. تُظهر هذه الأحداث خرق الحصار البحري الأمريكي عمليًا، وإثبات إيران قدرتها على حماية خطوطها البحرية الحيوية. ونتيجة لذلك، نجحت إيران في إرساء نظام أمني وقانوني جديد في مضيق هرمز، وهو ما يُعد تحولًا جيوسياسيًا هامًا.

التكاليف الباهظة للهجوم البري والسيناريوهات المستقبلية

إن أي سيناريو للهجوم البري ستُصاحبه صعوبات متأصلة وعواقب غير متوقعة؛ فحتى العمليات ذات الأهداف المحدودة تُعرّض القوات المهاجمة لمجموعة واسعة من تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ. علاوة على ذلك، فإن توسيع نطاق الصراع ليشمل ساحات بالوكالة وقطع خطوط إمداد الطاقة الدولية قد يحوّل الأزمة من صراع ثنائي إلى صدمة اقتصادية وأمنية عالمية. وسيكون رد إيران في هذا الصدد حاسمًا: فإذا أصبحت سواحل إيران غير آمنة، فسيفقد الأمن على جميع سواحل المنطقة، وتقع مسؤولية ذلك على عاتق المعتدين.

إن عواقب الصراع البري تتجاوز الحسابات العسكرية، وتؤثر بعمق على الساحتين السياسية والاجتماعية. أولًا، استعدت القوات البرية الإيرانية مسبقًا لمعركة شاملة، وثانيًا، يعتمد نجاح مثل هذا الهجوم على تكبّد المهاجم خسائر بشرية ومالية فادحة، بينما تتمثل استراتيجية إيران في إطالة أمد المعركة وإضعاف الإرادة السياسية الأمريكية، وبطبيعة الحال، لن ينجح هذا العمل بالنسبة للأمريكيين.

الحالة النفسية لترامب: هل هي انفصال عن الواقع أم أداة للخداع؟

إن سلوك الرئيس الأمريكي غير المتوقع والمتناقض ظاهريًا، والذي يتجاوز مجرد كونه تكتيكًا تفاوضيًا، متجذر في انفصال عميق عن الواقع الميداني والجيوسياسي، مما جعل الوضع معقدًا بشكل خطير. من منظور نفسي، عندما يجد الفرد نفسه في موقف ضغط شديد وانتكاسات متواصلة، قد يلجأ إلى بناء “واقع ذهني بديل” كآلية دفاعية. في مثل هذه الحالة، لا يكون الفرد مركز القوة فحسب، بل تُفسَّر جميع أفعاله على أنها نجاحات، وجميع إخفاقاته على أنها انتصارات مُقنّعة أو مؤامرات من الآخرين.

يُقدِّم تحليل سلوك “دونالد ترامب” وخطابه مثالًا كلاسيكيًا على هذا النمط. يُفسِّر هذا الانفصال المعرفي التناقضات الظاهرة في استراتيجيته: فتمديد وقف إطلاق النار بالتزامن مع الحصار البحري ليس استراتيجية مُحكمة، بل محاولة لتحقيق روايتين متناقضتين في ذهنه في آن واحد: “ترامب صانع السلام” و”ترامب القوي”. في ظل هذه الذهنية، لا يُنظر إلى فشل الحصار البحري ومرور السفن الإيرانية بنجاح على أنه هزيمة حقيقية، بل يُنظر إليه، في روايته الذاتية، على أنه مناورة ضغط ناجحة أو تراجع تكتيكي ذكي لخداع العدو.

هذا النمط يجعل من الصعب للغاية التعامل معه استراتيجيًا؛ فهو يتوقع من الطرف الآخر الخضوع لإرادته، لا تحقيق توازن في المصالح على طاولة المفاوضات. ولهذا السبب، لا يُنظر إلى إصرار إيران على مواقفها ورفضها المفاوضات تحت التهديد، في رؤيته للعالم، على أنه تصرف عقلاني من فاعل مستقل، بل سلوك وقح وغير مفهوم. وهذا ما يجعله غير مبالٍ بالبيانات الموضوعية وآراء الخبراء التي تُخالف تصوره الذهني، ولا يُعير اهتمامًا إلا للآراء التي تُؤكد روايته المفضلة. ويعد أخطر ما في هذا النموذج النفسي هو احتمال وقوع “خطأ فادح في التقدير”؛ قد يتجاهل “ترامب” جميع الأدلة على جاهزية إيران الدفاعية اللامركزية، وقدراتها غير المتكافئة، وإرادة المقاومة، فيعتقد أن إيران على وشك الانهيار وأن هجومًا عسكريًا أخيرًا سيُخضعها. في مثل هذه الحالة، لا تُتخذ القرارات بناءً على تحليل استراتيجي دقيق، بل على دوافع نفسية للحفاظ على صورة هشة للقوة، وهذا هو أكبر تهديد للسلام في المنطقة.

الخلاصة

يأتي تمديد “ترامب” لوقف إطلاق النار في وقت تشير فيه جميع الدلائل إلى استعدادات لعمل عسكري أوسع. وقد خلق هذا الوضع “لا حرب ولا سلام” مناخًا خطيرًا فشلت فيه الولايات المتحدة في تحقيق هدفها المتمثل في فرض حصار فعال، بينما تواصل إيران هيمنتها على مضيق هرمز. ولن يُفتح طريق التفاوض إلا عندما تتخلى الولايات المتحدة عن سياسة الضغط والترهيب. وبفضل جاهزيتها الميدانية الكاملة وعقيدتها الدفاعية اللامركزية، فإن إيران مستعدة لأي سيناريو. يعتمد مستقبل المنطقة على ما إذا كانت الدبلوماسية الحقيقية ستحل محل لغة التهديدات، أو ما إذا كان وقف إطلاق النار الخادع هذا مجرد هدوء يسبق العاصفة.

مقالات ذات صلة