رغم تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينج المتكررة التي تصف الولايات المتحدة بأنها “قوة متراجعة” أو “عملاق متراجع”، فإن البيانات والمؤشرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الحالية ترسم صورة مختلفة تمامًا عن تلك التصريحات.
فبينما تواصل الصين تعزيز نفوذها العالمي وتسعى إلى إرساء نظام دولي متعدد الأقطاب، تشير العديد من الدراسات والتوقعات الحديثة إلى أن بكين قد لا تتمكن من التفوق على الولايات المتحدة اقتصاديًا في العقود القادمة؛ بل إن بعض مراكز الأبحاث تعتقد أن هذا التفوق قد لا يتحقق أبدًا. ويأتي هذا في ظل التحديات الديموغرافية والاقتصادية المتزايدة التي تواجه الصين، بينما لا تزال واشنطن تتمتع بمزايا استراتيجية يصعب منافستها.
الاقتصاد الأمريكي
لا يزال الاقتصاد الأمريكي الأكبر في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وهو المقياس الأكثر شيوعًا للقوة الاقتصادية الدولية؛ وتشير تقديرات المؤسسات المالية الدولية إلى أن الاقتصاد الأمريكي سيتجاوز 32 تريليون دولار بحلول عام 2026، مقارنةً بنحو 21 تريليون دولار للصين.

قبل بضع سنوات، توقعت معظم التقديرات أن تصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030؛ إلا أن تباطؤ النمو في الصين وتغير الظروف الاقتصادية دفعا العديد من المؤسسات إلى إعادة تقييم هذه التوقعات. وتتراجع الآن التقديرات التي كانت تشير إلى أن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة إلى أربعينيات أو خمسينيات القرن الحالي، بينما تشير بعض الدراسات إلى أن هذا السيناريو قد لا يتحقق على الإطلاق.
الواقع الجديد
استندت التقديرات السابقة إلى معدلات النمو المرتفعة التي حققتها الصين في العقود الأخيرة، إلا أن الاقتصاد الصيني يواجه حاليًا تحديات عديدة، من بينها تباطؤ الإنتاجية، وضعف الطلب المحلي، وأزمة العقارات.
في المقابل، استفادت الولايات المتحدة من مرونتها الاقتصادية، وقدرتها على جذب الاستثمارات العالمية، وريادتها المستمرة في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والخدمات المالية. كما ساهمت قوة الدولار الأمريكي في تعزيز مكانة الاقتصاد الأمريكي عالميًا رغم الأزمات المتتالية.
الأزمة الديموغرافية
يُعدّ التراجع المستمر في عدد سكان بكين أحد أبرز التحديات التي تواجهها، سجلت الصين انخفاضًا في عدد السكان للعام الرابع على التوالي، حيث تراجعت معدلات المواليد إلى مستويات تاريخية منخفضة.
على الرغم من تخلي الحكومة الصينية عن سياسة الطفل الواحد وتقديمها حوافز للأسر، لا تزال معدلات المواليد أقل بكثير من مستوى الإحلال المطلوب للحفاظ على استقرار عدد السكان. هذا يعني محدودية القوى العاملة، وتزايد عدد كبار السن، مما يضغط بشكل متزايد على الاقتصاد والإنفاق الاجتماعي.
نمو سكاني وهجرة
على عكس الصين، تتمتع الولايات المتحدة بمعدلات مواليد مرتفعة نسبيًا وتدفقات هجرة مستمرة تدعم سوق العمل وتعزز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
تتوقع مراكز الأبحاث الأمريكية استمرار النمو السكاني في العقود القادمة، مما يمنح الاقتصاد الأمريكي ميزة ديموغرافية كبيرة على الصين، التي تواجه تقلصًا تدريجيًا في القوى العاملة.
هيمنة الدولار
لا يزال الدولار الأمريكي أهم عملة احتياطية في العالم، حيث يمثل أكثر من نصف احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، بينما تبقى حصة اليوان الصيني محدودة للغاية.
تمنح هذه الهيمنة المالية واشنطن نفوذاً دولياً واسعاً، سواءً من خلال العقوبات الاقتصادية أو السيطرة على جزء كبير من النظام المالي العالمي. في المقابل، لم تتمكن بكين بعد من جعل اليوان منافساً حقيقياً للدولار على الساحة الدولية.
التفوق العسكري
عسكرياً، تتمتع الولايات المتحدة بتفوق كبير على الصين من حيث الإنفاق الدفاعي والوجود العسكري العالمي. تمتلك واشنطن شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية تمتد عبر أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
كما تتمتع الولايات المتحدة بشبكة من التحالفات الاستراتيجية، بما في ذلك حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشركاء رئيسيين في آسيا، مما يمنحها نفوذاً دولياً أكبر مقارنةً بالصين، التي لا تزال تفتقر إلى نظام مماثل من التحالفات العالمية.
التكنولوجيا والقوة الناعمة
إلى جانب قوتها الاقتصادية والعسكرية، تواصل الولايات المتحدة ريادتها في العديد من القطاعات التكنولوجية الحيوية، لا سيما الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة.

كما تحافظ واشنطن على نفوذ كبير من خلال مؤسساتها التعليمية والإعلامية والثقافية، وهو شكل من أشكال القوة الناعمة. على الرغم من التقدم الملحوظ الذي أحرزته الصين في بعض المجالات، إلا أن بكين لم تتمكن بعد من بناء نفوذ ثقافي عالمي يضاهي نفوذ الولايات المتحدة.
قد يستمر الفارق الحالي بين الاقتصادين، مع احتفاظ الولايات المتحدة بمكانتها كأكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم لعقود، وربما تنجح الصين في تنفيذ إصلاحات اقتصادية وديموغرافية واسعة النطاق، مما يسمح لها بتقليص الفجوة تدريجيًا دون تحقيق هيمنة كاملة على الولايات المتحدة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4583


