د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في الشأن الإيراني
مع اقتراب الموعد النهائي للمرور الحر عبر مضيق هرمز، بات اقتراح إنشاء “مشروع إيراني عُماني مشترك” لتقديم خدمات مدفوعة الأجر للسفن التحدي الجيوسياسي الأخطر في المنطقة.
ويرى أحد محللي السياسة الخارجية أن هذه الفكرة فرصة تاريخية لإرساء نظام جديد في الخليج العربي، وهي مبادرة يكمن مفتاح نجاحها في الشفافية القانونية وتجاوز معارضة الولايات المتحدة.
يزداد لغز مضيق هرمز تعقيدًا يومًا بعد يوم. لم يعد النقاش مقتصرًا على مرور السفن الحربية أو مصادرة ناقلات النفط، بل يدور النقاش الرئيسي الآن حول الأوراق وبوالص التأمين ورسوم المرور.
مؤخرًا، كشفت الأوساط الدبلوماسية العربية، عن اقتراح غير مسبوق: عرضت مسقط على طهران إنشاء “شركة مشتركة” لتوطين جميع الخدمات البحرية وخدمات الدعم والتأمين التي كانت تُقدم سابقًا من الغرب بتكاليف باهظة.
وطُرحت هذه الفكرة مع اقتراب انتهاء مهلة الاتفاقية الأخيرة. فبحسب التفاهمات السابقة، كان أمام السفن التجارية 60 يومًا فقط للمرور عبر هذا الممر المائي مجانًا. ومع اقتراب نهاية هذه المهلة، أوضحت طهران عزمها على تحقيق دخل قانوني من هذا الممر. لكن على الجانب الآخر من المضيق، تسير عُمان على حافة الهاوية للحفاظ على شريكها الاستراتيجي وعدم منح واشنطن أي ذريعة.
تسعى الحكومة العمانية، المعروفة بتحفظها الدبلوماسي، إلى تقديم هذه الخطة للعالم لا على أنها “حق ابتزاز” أو “تنازلات قسرية”، بل كحزمة من الخدمات الاجتماعية والأمنية.
في 30 يونيو 2026م، أعلن وزير الخارجية العماني “بدر البوسعيدي” بأسلوبٍ لبق، أن مسقط لا توافق على تحصيل رسوم إلزامية، وأن البيع الطوعي لخدمات الإمداد والإغاثة أمرٌ منطقي تمامًا.
مع ذلك، فإن إطلاق هذا المشروع المشترك يعني نهاية هيمنة الغرب المطلقة على أهم مفترق طرق في العالم في مجال الطاقة.
وقد هدد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مؤخرًا، بلهجة غير مسبوقة، مسقط بشن هجمات عسكرية، مُظهرًا أن الولايات المتحدة مستعدة لرسم خطوط حمراء حتى مع حلفائها التقليديين للحفاظ على هيمنتها في الخليج العربي. ويبقى الترقب لمعرفة ما إذا كانت دبلوماسية طهران ومسقط، التي تتسم بالحذر، قادرة على إدارة هذا المشروع المشترك بنجاح في ظل عاصفة التهديدات الأمريكية.
ناقش “جلال ساداتيان”، محلل السياسة الخارجية والدبلوماسي السابق، الأبعاد القانونية والدبلوماسية والجيوسياسية لهذه الفكرة غير مسبوقة، قال: “يُعدّ مضيق هرمز أكثر الممرات الجيوسياسية حساسية في العالم، وبمرور خُمس نفط العالم عبره، فإن أي تغيير في إدارته سيُزعزع استقرار سوق الطاقة. ومن منظور القانون الدولي، تتحمل إيران وعُمان، بوصفهما الدولتين المُطلّتين على هذا الممر المائي، مسؤولية مباشرة عن سلامة المضيق وحماية البيئة وأمن الملاحة فيه”.
ويضيف: “إن إنشاء شركة مشتركة لتقديم الخدمات هو استخدام ذكي لهذه القدرات القانونية؛ بالطبع، بشرط أن يكون غرضها الحقيقي هو تقديم الخدمات الفنية، وتوجيه السفن، والإنقاذ، وليس اعتبارها ذريعة للحد من حرية المرور”.
يؤكد “ساداتيان” على أهمية هذا التحديد الدقيق، لا سيما في ظل التوترات غير المسبوقة بين إيران والولايات المتحدة في مضيق هرمز.
وفي معرض حديثه عن التفاصيل القانونية للخطة، يوضح الخبير البارز: “يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الشركة في التمييز الدقيق بين فرض رسوم خدمة وتحصيل رسوم إجبارية من السفن. وحسب اتفاقية قانون البحار، لا يحق لأي دولة ساحلية فرض رسوم لمجرد المرور عبر مضيق دولي؛ إلا أن تلقي الأموال مقابل خدمات فعلية يُعدّ ممارسة قانونية وشائعة في العالم. لذا، إذا أرادت طهران ومسقط تطبيق هذه الفكرة، فإن مفتاح نجاحهما يكمن في الوضوح القانوني والفصل التام بين مفهوم “الخدمات” و”حق المرور”.
دور سلطنة عمان “سويسرا الشرق الأوسط“
يقول “ساداتيان” مستذكرًا تاريخ مسقط الدبلوماسي: “لطالمَا لعبت عُمان دور الوسيط المتوازن لعقود. فمن القضية النووية إلى تخفيف حدة التوترات في الخليج العربي، كانت هذه الدولة جسرًا يربط طهران بالغرب”.
ويؤكد: “لهذا السبب، إذا أُريد تنفيذ مثل هذه المبادرة المشتركة، فإن عُمان بلا شك هي الشريك الأمثل لإيران؛ فهي دولة صديقة لطهران، وفي الوقت نفسه تحظى بثقة الغرب النسبية. لكن لن تسير هذه الخطة بسلاسة ودون رد فعل غربي. فالولايات المتحدة وأوروبا تعتبران أمن الخليج العربي خطاً أحمر لاقتصاداتهما. من جهة أخرى، تراقب القوى الاقتصادية الآسيوية العملاقة، كالصين والهند واليابان، المتعطشة للنفط في هذا الممر، أي تغييرات بدقة وتطالب بالشفافية واستمرارية التدفقات التجارية”.
ويشير إلى نقطة مهمة: “بالنظر إلى أن بعض الدول الأوروبية قد ادعت مؤخرًا توفير الأمن للمنطقة، فربما تكون هذه هي الفرصة التاريخية الأمثل لإيران وعُمان لأخذ زمام المبادرة وتسجيل إدارة أمن مضيق هرمز وإضفاء الطابع الرسمي عليها باسمهما إلى الأبد.”
ميلاد نظام جديد في الخليج العربي
يختتم الدبلوماسي السابق حديثه بالإشارة إلى الأبعاد الكلية والجيوسياسية للمسألة قائلًا: “قد تكون هذه الفكرة لا تزال على الورق، لكنها تبعث برسالة بالغة الأهمية إلى العالم: فبدلًا من الاعتماد على قوى أجنبية، يمكن لدول المنطقة أن تتولى زمام أمن الممرات المائية الحيوية بنفسها”.
ويضيف: “يعتمد نجاح هذا النموذج على تطبيق القانون الدولي بحذر، وكسب ثقة العالم، وعدم المساس بحرية الملاحة. إذا سارت طهران ومسقط على هذا النهج بحكمة، فسنشهد ميلاد نظام إقليمي جديد في الخليج العربي؛ نظام سيحد من نفوذ القوى الخارجية، وسيشكل نقطة تحول تاريخية”.
- مقال تحليلي منشور في وكالة الأنباء الإيرانية “فرارو” بعنوان: پیشنهاد مشترک ایران وعمان برای تنگه هرمز؛ آغاز یک نظم دریایی جدید یا چالش تازه با غرب؟
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4942


