الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةواشنطن وطهران.. الردع المتآكل واستنزاف الشرق الأوسط

واشنطن وطهران.. الردع المتآكل واستنزاف الشرق الأوسط

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية

تسفر هُدن وقف إطلاق النار أحيانًا عن حالة من الغموض يصعب التنبؤ بنتائجها عن الحروب نفسها، ففي ساحة المعركة تتبادل الأطراف المتحاربة الضربات؛ جولة ينتصر فيها طرف على الآخر، وجولة ينهزم فيها طرف أمام الآخر، يسقط قتلى من هنا تارة ومن هناك تارة أخرى، تتوالى مكاسب أو خسائر، بيد أن وقف إطلاق النار الحالي بين الولايات المتحدة وإيران لا ينذر باستئناف حرب ولا يبشر بإبرام اتفاق سلام، بل يلوح بأن منطقة الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة استنزاف اقتصادي في ظل غلق مضيق هرمز، وتهديد ممرات الطاقة الدولية، وارتفاع أسعار الوقود.

هذه الحرب لم تعد قاصرة على قصف الأراضي الإيرانية، واستهداف القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، لكنها ألقت بظلال كثيفة على حلفاء الطرفين ودول المنطقة كلها، جعلت استشراف المشهد المستقبلي غامضًا للغاية.

من الممكن أن نطلق على الوضع الحالي بين طهران وواشنطن مصطلح “الردع المتآكل” بعدما فشل الطرفان في اقتناص “الجائزة الكبرى” في مخططات كل منهما:

  • الإطاحة بالنظام الإيراني كما تريد الولايات المتحدة.

  • حصول إيران على أية امتيازات جراء الحرب أو الوضع المتأزم.

لذا دخل كلا الطرفين مرحلة تجنب الصدام مرة أخرى، لكنهما لا يريدان الخروج من الحرب بيدي خاوية الوفاض أو تقديم أية تنازلات، ما يعني تآكل قوى الطرفين العسكرية والإستراتيجية على المدى البعيد.

إدراك الواقع من قبل واشنطن وطهران

قبل اندلاع الحرب، كانت أغلب التحليلات السياسية تحذر من تكاليفها، وعواقب الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، إلا أنه بعد الحرب واتساع نطاقها، اكتسب الردع مفهومًا جديدًا، إذ لم يعد الأمر قاصرًا على “منع نشوب الحرب” فحسب، بل أصبح يتعلق بـ “منع عودة الحرب”، مما جعل الأجواء العامة في المنطقة معقدة جدًا.

واشنطن وطهران

في أية حرب قصر مداها أو طال، تُزيح النقاب عن أمرين مهمين في آن واحد: قدرة المتحاربين، ومخاوفهم. في مرحلة ما قبل الصدام، تحمل التهديدات المتبادلة طابعًا نفسيًا أو دعائيًا، لكن بعد الحرب تتضح قدرات المتحاربين ونقاط ضعفهم بشكل جلي، لذا لا ينبغي النظر إلى وقف إطلاق النار الحالي على أنه نتاج الإنهاك أو الضعف، بل هو نتاج نوع من الإدراك المتبادل لكلفة استمرار الحرب.

إن تصور إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” المبني على المعطيات الإسرائيلية “المغلوطة” عن القوة العسكرية الإيرانية قبل الحرب أصبح مختلفًا تمامًا أثناء الحرب وبعدها؛ حيث غيّر الصمود الإيراني معادلات الصراع جملةً وتفصيلًا، ومن الطبيعي أن يكون لهذه القوة اليد العليا في اتخاذ القرارات خلال وقف إطلاق النار، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن كلفة استئناف الحرب ونتائجها غير متوقعة ومحفوفة بالأخطار.

بالإضافة إلى ذلك، لم تتخيل إدارة “ترامب”، رغم تحذيرات الخبراء والمحللين المتكررة، أن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز، وهو رد فعل وضع الولايات المتحدة أمام مأزق إستراتيجي، وكبّد العالم لاسيما دول الشرق الأوسط خسائر فادحة.

تدرك الولايات المتحدة أن الدخول في حرب مفتوحة ومكلفة في منطقة سعت على مدار سنوات إلى تقليص وجودها المباشر بها، ليس خيارًا مطروحًا على طاولة السياسة الأمريكية، فقد أظهرت واشنطن مرارًا وتكرارًا خلال السنوات الأخيرة أنها تفضل إدارة الصراعات في الشرق الأوسط من بعيد، لا الغرق فيه مجددًا. الانسحاب المكلف من أفغانستان، إطالة أمد الحرب في أوكرانيا، المنافسة الشرسة مع الصين، كلها محطات تذكّر الولايات المتحدة بأن فتح جبهة جديدة في المنطقة قد يؤدي إلى حالة من الاستنزاف الإستراتيجي بدلًا من استعراض القوة.

أما إيران، فتدرك أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة على المدى القصير أو الطويل تحمل في طياتها أثمانًا اقتصادية وأمنية واجتماعية باهظة، لذا تعي جيدًا أن تجاوز “خطوط ترامب الحمراء المزعومة” قد يُدخِل الصراع في مرحلة يصعب احتواؤها.

على هذا النحو نستطيع القول إن الطرفين قد أيقنا بعد الحرب أن وقف إطلاق النار بات أمرًا ضروريًا، وليس استراحة محاربين أو إعادة ترتيب أوراق كما يرى البعض.

من المواجهة إلى الاستنزاف

غالبًا ما يؤدي وقف إطلاق النار إلى نقل الصراع من ساحة مواجهة عنيفة إلى ساحة مواجهة تكتيكية تبغي إنهاك الخصم على المدى البعيد، وقد خبرنا هذا الأمر في صراعات بعض دول الشرق الأوسط مثل لبنان وسوريا والعراق؛ إذ تتوقف العمليات القتالية وتصبح الأجواء هادئة نسبيًا، ومن ثم تنتقل العمليات إلى الميادين الاستخباراتية والسياسية والاقتصادية.

فيما يخص صراع إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد رأينا هذا الأمر كثيرًا على مدار جولات المواجهة غير المباشرة بين ثلاثتهم؛ اغتيالات قادة عسكريين وعلماء نوويين، وهجمات سيبرانية، والقبض على عملاء مزدوجين… إلى آخره.

رغم مزاعم “ترامب” بأنه حقق أهدافه من الحرب، لا يمكن أن تنهي الإدارة الأمريكية الحرب بممارسة ضغوط اقتصادية أو محاصرة بحرية، ولا يمكن أن تعتبر إيران تجاوز مرحلة الهجمات العسكرية أنهى الحرب لصالحها. لقد دخل الطرفان الآن مرحلة إبراز القوة الرادعة واجتناب الحسابات الخاطئة، ما يجعل “إستراتيجية الاستنزاف” تهيمن على المشهد.

توجيه ضربات نوعية، استمرار الضغوط الاقتصادية والحرب النفسية والإعلامية، الحفاظ على ضبابية الأفق الدبلوماسي، تسويف المفاوضات، ضرب مصالح الطرفين في المنطقة ومع الدول الحليفة في ظل تفاقم أزمة الطاقة؛ كلها أوراق ضغط طالما لوّح بها الأمريكيون والإيرانيون من حين لآخر.

إسرائيل في معادلة واشنطن وطهران

في خضم ذلك، تبرز إسرائيل كمحرك أساسي في هذا المشهد المعقد، فإذا كانت أولوية الإدارة الأمريكية تكمن في احتواء الأزمة مع إيران، فإن إسرائيل تخشى من أن يفضي وقف إطلاق النار إلى اتفاق بين طهران وواشنطن ولو مؤقتًا يطلق يد النظام الإيراني في المنطقة، لذا تسعى إسرائيل بشتى الطرق بعد جر “ترامب” إلى هذه الحرب غير المجدية إلى الحيلولة دون التوصل إلى اتفاق، خاصة بعد فشل مخططات الإطاحة بالنظام الإيراني.

بطبيعة الحال لا تريد تل أبيب حربًا سرمديةً، لكنها تريد، مثلما أعلن “ترامب” أكثر من مرة، إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بشكل يحفظ أمن إسرائيل ويجعلها صاحبة اليد الطولى فيه، دون تهديد أو ردع من عدو أو صديق، بدا هذا واضحًا في تصريحات “ترامب” الأخيرة بضرورة انضمام دول الخليج كلها بما فيها السعودية إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” بعد القضاء على التهديدات الإيرانية من منظوره الشخصي.

التعود على الأزمة

تجدر الإشارة هنا إلى أن استمرار وقف إطلاق النار دون إبرام اتفاق أو وجود رؤية سياسية تطرح حلًا نهائيًا بين الطرفين، سيحول الوضع غير الطبيعي إلى وضع طبيعي كالوضع في أوكرانيا أو غزة. عندما تستقر منطقة ما في برزخ “اللا حرب واللا السلم”، يصبح هذا الوضع مألوفًا تدريجيًا، إلا أن اعتياد الأزمة لا يقلل من خطورتها، بل يخفض الحساسية تجاهها فقط، إذ يمكن أن تشتعل النار الكامنة تحت الرماد جراء هجوم محدود، أو سوء فهم سياسي أو إعلامي، أو حسابات إستراتيجية غير موفقة مثلما حدث في عملية “طوفان الأقصى” عام 2023.

واشنطن وطهران

رغم ما حققته إيران من انتصار إستراتيجي على الولايات المتحدة، يمثل لها الوضع الحالي اختبارًا متعدد المراحل، حيث يتعين عليها إبراز قدرتها على الصمود والتأثير الفعال في مجريات الأمور تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية، مع الحفاظ على التوازن الداخلي في ظل استمرار العقوبات الأمريكية وتصاعدها.

نختم مقالنا قائلين: إن إبقاء الوضع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران على ما هو عليه، لا يستنزف طهران عسكريًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل الشرق الأوسط كله، كأن هذه الحرب كانت تهدف إلى جر دول المنطقة إلى حرب غير مباشرة مع إيران برعاية أمريكية إسرائيلية، تنتهي بانهيار ما تبقى من دول الشرق الأوسط، إيذانًا بالإعلان عن قيام “دولة إسرائيل الكبرى”، لكن تدخل بعض الدول صاحبة العلاقات الوطيدة مع أطراف الصراع كمصر والصين وروسيا قلب قواعد اللعبة رأسًا على عقب، سواء في مجريات الحرب أو مسارات التفاوض.

مقالات ذات صلة