الأكثر قراءة

إيران.. توقعات وتأملات مستقبلية

د. سيد أحمد فؤاد أكاديمي وباحث في الشأن الإيرانيبناءً على...

مفاوضات تحت فوهة السلاح.. النووي الإيراني بين التسوية والانفجار الإقليمي

قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إن واشنطن أجرت "محادثات...

من التحالف إلى الصدام.. وزير خارجية إثيوبيا يفضح آبي أحمد ويتهمه بـ”الكذب”

 الباحثة في الشأن الأفريقي شيرين هلالظهر رئيس الوزراء الإثيوبي...

ويسألونك عن ولاية الفقيه..

أ. د. يحيى داود عباس – أستاذ الدراسات الإيرانية...

من طهران إلى نيويورك.. لقاءات سرية بين إبستين وأحمدي نجاد

د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةأوروبا بين واشنطن وأنقرة.. الاستقلال أم التبعية الجديدة؟

أوروبا بين واشنطن وأنقرة.. الاستقلال أم التبعية الجديدة؟

لعقود طويلة، قامت المعادلة الأمنية عبر الأطلسي على صفقة غير مكتوبة: الولايات المتحدة تتحمل المخاطر، وأوروبا تملك الوقت؛ واشنطن توفر الردع، وأوروبا تنظم جداولها السياسية والاقتصادية تحت مظلة أمان مضمونة. لكن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تكسّرت هذه القاعدة. الأمن لم يعد مجانًا، والتحالف لم يعد مسلّمًا به.

في عام 2025، سحبت واشنطن تمويل أوكرانيا، وطلبت من الأوروبيين تسديد الفاتورة. وفي مطلع 2026، تحوّل الجدل حول جرينلاند إلى إهانة علنية للدنمارك، ما دفع مسؤولين أوروبيين للحديث صراحة عن احتمال نهاية الناتو. عند هذه النقطة، أدركت أوروبا أن المشكلة ليست نقص الموارد، بل غياب الانضباط الاستراتيجي.

الصناعة بدل الاستراتيجية

الخلل البنيوي في المقاربة الأوروبية للدفاع يكمن في التعامل مع التسلح بوصفه نشاطًا صناعيًا لا خيارًا سياديًا. أوروبا تملك المال، التكنولوجيا، سلاسل التوريد، وشركات دفاعية عريقة، لكنها تفتقد قاعدة ذهنية واحدة تحكم كل ذلك. لم تُطرح مسألة الدفاع يومًا على أساس: من سيقاتل حروب أوروبا؟ ومن يملك قرار تشغيل وإدامة السلاح وقت الأزمة؟

هذا التراخي سمح بتراكم تبعيات مريحة طالما بقيت الولايات المتحدة ضامنًا أخيرًا. لكن مع تغيّر المزاج الأمريكي، باتت تلك التبعيات نقاط ضعف مكشوفة.

الهند وعقيدة «لن يقاتل عنا أحد»

في الجهة الأخرى، تقدم الهند نموذجًا معاكسًا تمامًا. عقيدة Atmanirbhar Bharat التي رسخها رئيس الوزراء ناريندرا مودي تنطلق من قاعدة واحدة غير قابلة للتفاوض: لا أحد سيخوض حروب الهند نيابة عنها. هذه الجملة وحدها شكّلت كل سياسات الدفاع الهندية.

الهند تبني، تصون، تصلّح، وتطوّر أنظمتها العسكرية الأساسية محليًا: محركات، رادارات، صواريخ، وطائرات مقاتلة. الشراكات الأجنبية مرحّب بها، لكن بشرط واحد: ألا تمس السيطرة الاستراتيجية أو تحوّل الشريك إلى نقطة فشل واحدة. ولهذا، باتت الهند لا تكتفي بالاكتفاء الذاتي، بل تصدّر أنظمة دفاعية لدول أخرى.

عقود لا رهانات

في يناير 2026، وقّع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تجارة حرة وشراكة أمنية ودفاعية. جوهر هذه الشراكة ليس الشعارات، بل التقسيم بالعقد: سلاسل توريد مرنة، تعاون صناعي دفاعي، أمن بحري، وتكنولوجيا مصممة لتتجاوز دورات الانتخابات.

الهند تحصل على السوق والتكنولوجيا والحجم، بينما تحتفظ بالقرار والإنتاج الأساسي داخليًا. هذه المعادلة بالضبط هي ما تفتقده أوروبا حتى الآن.

تحاول أوروبا اليوم تقنين الانضباط عبر آليات مثل SAFE، التي تفتح باب الشراء المشترك حتى لشركاء من خارج الاتحاد. الخطوة ضرورية، لكنها ليست حاسمة. الخطر الحقيقي يكمن في استيراد نقاط ابتزاز جديدة بدل التخلص من القديمة.

وهنا يبرز اسم تركيا. إدماج أنقرة في مشاريع دفاعية أوروبية كبرى، سواء عبر SAFE أو عبر تعميق دورها في برامج مثل Eurofighter Typhoon، لم يعد طرحًا نظريًا. لكنه محفوف بالمخاطر.

شريك شكلي أم رافعة ضغط مستقبلية؟

تركيا ليست حالة تقنية، بل سياسية بامتياز. فهي تحتل 37% من أراضي قبرص، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، وتحتفظ بتهديد معلن (casus belli) ضد اليونان. ومع ذلك، اختار الاتحاد الأوروبي تاريخيًا إدارة هذه الملفات بوصفها “قابلة للاحتواء”، بدل جعلها محدِّدة للعلاقة مع أنقرة.

هذا النهج أنتج اعتيادًا خطيرًا: تطبيع احتلال غير محلول، والتعايش مع تهديدات داخل البيت الأوروبي نفسه. المثال الأوضح كان ملف الهجرة، حين حوّلت اتفاقية 2016 تركيا إلى حارس بوابة أوروبا، ما منح أنقرة نفوذًا استخدمته صراحة في 2020.تكرار المنطق ذاته في الدفاع يعني نقل مركز الابتزاز من واشنطن إلى أنقرة.

الصناعة مقابل السيادة

موافقة ألمانيا على تصدير مقاتلات يوروفايتر إلى تركيا، بدفع بريطاني، تُبرَّر بالحفاظ على استمرارية الصناعة وتماسك التحالف. المنطق الصناعي صحيح، لكن الثمن الاستراتيجي أعلى. كلما تعمّق اندماج تركيا في منظومات الدفاع الأوروبية، تقل قدرة أوروبا على فرض خطوط حمراء في شرق المتوسط أو قبرص أو أي أزمة مستقبلية.

الاندماج لا يعني الاستقرار دائمًا؛ أحيانًا يتحول إلى ضغط حين يحتفظ الطرف المندمج بسياسات تقوّض تماسك الكتلة.

مفاجأة صنعتها أوروبا بنفسها

أزمة جرينلاند كشفت ضعف الخيال الأمني الأوروبي. بعد خروج جرينلاند من الجماعات الأوروبية عام 1985، اختُزلت العلاقة في الصيد والاتفاقيات الاقتصادية، بينما تُرك الأمن فعليًا للولايات المتحدة. ترامب لم يخترع الفراغ، بل كشفه.

التصحيح لا يزال ممكنًا: بنية تحتية تعزز صمود غرينلاند، قدرات مزدوجة الاستخدام، حضور بحري وجوي أوروبي مع الدنمارك، وحماية الكابلات والمسارات القطبية باعتبارها أصولًا أمنية أوروبية.

الاستقلالية ليست إنفاقًا أعلى 

الفارق الجوهري بين أوروبا والهند لا يكمن في المال، بل في التوقيت والانضباط. الهند، وكذلك دول مثل إسرائيل والإمارات، تبني خياراتها قبل أن تتبلور الضغوط. أوروبا تتحرك بعد أن تُفرض عليها التكاليف.

الاستقلالية الدفاعية لا تعني استبدال تبعية بأخرى، بل إزالة نقاط النفوذ قبل أن تتحول إلى فيتو. ولهذا، فإن إدماج طرف يحتل أراضي أوروبية ويهدد دولة عضو يقوّض الهدف من الأساس.
الدرس واضح: الشراكات تُدار، لكن السيطرة لا تُقايَض.

سيناريوهات مستقبلية محتملة

1.. أوروبا تنجح في بناء استقلال دفاعي منضبط

تُعيد بروكسل تعريف مفهوم الشراكات، وتفصل بين “الحليف” و”نقطة النفوذ”. يتم تفعيل SAFE بشروط صارمة، مع حصر الوصول الصناعي في الدول التي لا تمثل تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر لأي عضو أوروبي.

في هذا السيناريو، تُستبعد تركيا من البرامج السيادية الحساسة، ويُعاد ضبط العلاقة مع واشنطن على أساس تقاسم القدرات لا الوصاية الأمنية.
النتيجة: استقلال دفاعي تدريجي، قدرة ردع أوروبية موثوقة، وتراجع الابتزاز الجيوسياسي.

2.. توسيع الشراكات بلا قيود… واعتماد جديد مقنّع

تتغلب الاعتبارات الصناعية والسياسية قصيرة الأمد على منطق السيادة. يتم دمج تركيا بعمق في برامج التسلح الأوروبية، بما فيها سلاسل الإمداد والتصنيع المشترك، بحجة الحفاظ على تماسك الناتو واستمرارية الإنتاج.
لكن هذا الدمج يحوّل أنقرة إلى نقطة ضغط داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية، ويُقيد هامش القرار في أزمات شرق المتوسط وقبرص.
النتيجة: استبدال الاعتماد على واشنطن باعتماد داخلي أكثر خطورة وأقل قابلية للضبط.

3..توازن هش بين الاستقلال والشراكة

تسعى أوروبا إلى الموازنة بين الحاجة العاجلة للتسليح وبين تجنب نقاط النفوذ، فتعتمد نموذجًا انتقائيًا: شراكات محدودة، وصول جزئي، وفصل صارم بين التصنيع والتشغيل والسيادة.
تركيا تُدمج في مشاريع ثانوية أو غير سيادية، دون دخول البرامج المحورية.
النتيجة: تقدم بطيء لكنه آمن، مع بقاء مخاطر التعطيل قائمة في الأزمات الكبرى.

4.. عودة المظلّة الأمريكية بشروط أقسى

تتغير الإدارة في واشنطن أو تتصاعد التهديدات الأمنية، فتعود أوروبا للاعتماد على الولايات المتحدة بشكل أعمق مقابل التزامات مالية وسياسية أكبر.
الحديث عن “الاستقلال الاستراتيجي” يتراجع لصالح براغماتية أمنية، فيما تبقى الاختلالات الهيكلية دون معالجة.
النتيجة: استقرار مؤقت، مع هشاشة طويلة الأمد وتآكل القرار الأوروبي المستقل.

5.. نموذج هندي-أوروبي مشترك

تستوعب أوروبا درس نيودلهي: الشراكة مرحّب بها، لكن السيطرة والسيادة غير قابلة للتفاوض.
يتم الاستثمار بكثافة في الإنتاج المحلي، الصيانة، وسلاسل الإمداد الأوروبية، مع شراكات خارجية لا تتحول إلى نقاط تعطيل.
النتيجة: أوروبا تتحول من مستهلك أمني إلى فاعل مستقل، دون القطيعة مع الحلفاء.

ذات صلة