الأكثر قراءة

جلاجل كابل.. أول فيلم سينمائي عن “البتشابازي” في أفغانستان

د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في...

جون ريتشاردسون.. قصة بريطاني بات درع كييف

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

الصين تواجه الغرب بالأسواق الأفريقية.. صفر رسوم وامتيازات اقتصادية

أعلنت الصين أنها ستطبق نظام الصفر رسوم على واردات...

دراسة| تحولات ميزان القوة في النظام الاقتصادي العالمي

يواجه النظام الاقتصادي العالمي اليوم لحظة تحول تاريخية غير...

للحد من فضيحة إبستين.. هل تنقذ الحرب على إيران ترامب؟

عصمت الله عبدلي — صحفي أفغاني وخبير في الشؤون...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةاستنساخ نموذج بوكيلة.. مواجهة الجريمة بالعنف في أمريكا اللاتينية

استنساخ نموذج بوكيلة.. مواجهة الجريمة بالعنف في أمريكا اللاتينية

خلال السنوات الأخيرة،  شهدت دول أمريكا اللاتينية، موجة متصاعدة من العنف المنظم، حيث أصبحت العصابات والمجموعات الإجرامية تهدد الأمن الداخلي وتعرقل التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

سعى عدد من القادة السياسيين لمحاكاة اسلوب الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة في مواجهة الجريمة، وهو نموذج يعتمد على إجراءات صارمة تشمل حالات الطوارئ، السجن الجماعي، واستخدام وسائل الإعلام مباشرة للترويج للسياسات الأمنية.

يعد هذا النموذج مثالًا على العودة إلى نهج “mano dura” أو اليد الحديدية في مكافحة الجريمة، الذي يعيد إلى الواجهة أساليب استبدادية سبق استخدامها في حقبة الحكم العسكري في المنطقة.

حالة بيرو

تشير مجلة “مراجعة السياسة العالمية” الأمريكية إلى أنه عندما تولى خوسيه جيري رئاسة بيرو مؤقتًا بعد إقصاء دينا بولوارتي، حاول تعريف سياسته على أنها قاسية تجاه العصابات الإجرامية. قاد جيري عمليات مداهمة للشرطة، وزار السجون، وأمر بإجبار السجناء على ارتداء زي موحد وحلق رؤوسهم، وهو تحول جذري عن النظام العقابي التقليدي. تم بث بعض هذه الإجراءات على التلفزيون الرسمي، ما يعكس رغبة الحكومة في إظهار السيطرة على الأزمة الأمنية.

لكن رغم هذه الإجراءات، لم ينجح جيري في الحفاظ على منصبه، حيث تم عزله بسبب مخالفات مالية، مما يعكس هشاشة اعتماد هذا النهج على شخصية القائد أكثر من فعاليته المؤسسية. ويشير ذلك إلى التحديات التي قد تواجه أي دولة تحاول استنساخ نموذج بوكيلة دون البنية القانونية والاجتماعية المناسبة.

تكلفة اليد الحديدية

على الرغم من النجاح الملحوظ لبكيلة في السلفادور، حيث انخفض معدل القتل بنسبة أكثر من 90% بعد احتجاز نحو 80 ألف من المشتبه فيهم بانتمائهم للعصابات، فإن هذا النجاح كان مصحوبًا بتجاوزات كبيرة لحقوق الإنسان. تشمل هذه التجاوزات احتجاز أشخاص دون محاكمات عادلة، وقيود على الحقوق الدستورية، وعمليات سرية للتفاوض مع زعماء العصابات، بما في ذلك السماح بزيارات غير قانونية داخل السجون.

النقاد يحذرون من أن استنساخ هذا النموذج في دول أكبر أو أكثر تعقيدًا مثل بيرو قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ أن الاعتماد على القوة وحدها لا يعالج الأسباب الجذرية للجريمة، مثل الفقر، البطالة، ضعف التعليم، والفساد المتفشي.

انتشار النموذج في أمريكا اللاتينية

لم يعد نموذج بوكيلة مقتصرًا على السلفادور. فقد قام قادة من تشيلي، الإكوادور، الأرجنتين، وكوستاريكا بزيارة مراكز الاحتجاز القصوى في السلفادور للاطلاع على النظام الأمني الصارم، كما أن كوستاريكا افتتحت سجنًا ضخمًا مستلهمًا من هذا النموذج. هذه التحركات تشير إلى رغبة متزايدة في تبني إجراءات قمعية سريعة لمواجهة الجريمة، مع التركيز على البروز الإعلامي للقيادة السياسية لضمان الدعم الشعبي.

ومع ذلك، يرى الخبراء أن النجاح في بلد صغير مثل السلفادور لا يمكن تكراره بسهولة في دول أكبر وأعقد، حيث تمتد شبكات الجريمة على مساحات جغرافية أوسع وتتنوع مصادرها الاقتصادية والاجتماعية.

تحديات تطبيق النموذج

تواجه الإجراءات الصارمة التي تعتمد على القوة تحديات كبيرة بسبب القدرة المؤسسية المحدودة في العديد من الدول، حيث يرتكز تنفيذ السياسات بشكل أساسي على شخصية القائد وقوته، بدلاً من وجود مؤسسات مستقلة وقوية تضمن استدامة هذه الإجراءات على المدى الطويل. هذا الاعتماد على القيادة الفردية يجعل السياسات عرضة للتقلبات مع تغيّر القيادة، ويحدّ من فاعلية أي جهود تهدف إلى مواجهة الجريمة أو تعزيز الأمن بشكل مستدام.

إضافة إلى ذلك، غالبًا ما تؤدي هذه الإجراءات إلى انتهاكات حقوق الإنسان، إذ قد تتعارض مع القوانين الوطنية والدولية، ما يثير مقاومة من المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية. كما أن التركيز على القوة وحدها لا يعالج الأسباب الجذرية للجريمة، مثل الفقر والبطالة وضعف التعليم، وهي عوامل رئيسية في انتشار الجريمة المنظمة. لذا، فإن نجاح أي سياسات صارمة يتطلب دمج القوة مع برامج تنموية شاملة تعالج هذه المشكلات الأساسية لضمان نتائج مستدامة وفعّالة.

السيناريوهات المستقبلية

  1. استمرار النموذج الصارم: قد تختار بعض الدول، مثل بيرو وشيلي، الاستمرار في تطبيق إجراءات بوكيلة مع تعزيز وسائل الإعلام لدعم القيادة، ما قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في العنف، لكنه يفاقم الخروقات الحقوقية.
  2. التحول إلى سياسات متوازنة: يمكن للدول دمج النهج الصارم مع إصلاحات مؤسسية، مثل تعزيز الشرطة المجتمعية، الاستخبارات الجنائية، وتحسين التعليم والفرص الاقتصادية، لتحقيق استدامة طويلة الأمد.
  3. فشل النموذج وانتكاسات أمنية: في حال لم تتوفر بنية مؤسسية قوية، قد يؤدي تقليد نموذج بوكيلة إلى موجات جديدة من العنف، وتزايد الاستياء الشعبي، مع إضعاف الدولة أمام العصابات.

ذات صلة