شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا في بداية ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية تصاعدًا ملحوظًا في التوترات، بعد أن أبدت كندا موقفًا مستقلاً ومباشرًا في مواجهة السياسات الأمريكية التقليدية في مجال النفوذ والضغط الاقتصادي. فقد ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا في منتدى دافوس الأخير، أكد فيه على ازدواجية المعايير في دعم النظام الدولي القائم على القواعد، وانتقد الإجراءات القسرية التي تتخذها القوى الكبرى لتعزيز مصالحها، بما في ذلك الولايات المتحدة.
هذا الموقف صدم البيت الأبيض، ودفعت إدارة ترامب إلى توجيه هجمات علنية ضد كندا، بما في ذلك التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على جميع الصادرات الكندية، مدعية بشكل مبالغ فيه أن الصين تسيطر على الاقتصاد الكندي.
تاريخ طويل من الدعم المتبادل
لكن هذه الهجمات تجاهلّت التاريخ الطويل من التعاون والدعم الكندي لأمريكا في الأزمات الدولية. فقد كانت كندا شريكًا أساسيًا في إنقاذ الدبلوماسيين الأمريكيين من إيران عام 1980، واستضافت آلاف الأمريكيين بعد إغلاق الأجواء في 11 سبتمبر 2001، كما خاضت القوات الكندية معارك عنيفة في أفغانستان. حتى في ملفات قانونية معقدة مثل اعتقال Meng Wanzhou من شركة هواوي في 2018، تعاونت كندا مع الولايات المتحدة رغم التعقيدات القانونية والدبلوماسية، مما أدى لاحقًا إلى توتر علاقاتها مع الصين.
هذا التاريخ يعكس أن كندا ليست مجرد تابع للسياسة الأمريكية، بل شريك ذو مصالحه الوطنية الخاصة، قادر على اتخاذ قرارات مستقلة حتى لو لم تتوافق مع التهديدات الأمريكية المباشرة.
سياسة التهديدات المتصاعدة وتأثيرها المحدود
التهديد بفرض رسوم جمركية شاملة على كندا يعكس رؤية ترامب في استخدام القوة الاقتصادية كأداة ضغط، لكنه يفتقد إلى التوازن بين العقاب والحوافز. فقد ثبت أن هذه الاستراتيجية لا تزيد من تأثير الولايات المتحدة، بل على العكس، تعزز الميل الكندي نحو تنويع شركاء التجارة والسياسة الخارجية. فعندما شرعت كندا في تسوية نزاعها التجاري مع الصين، كان واضحًا أن تهديد ترامب فقد الكثير من مصداقيته، لأن كندا لم تتراجع عن مصالحها ولم تتصرف على أنها ضعيفة.
السيناريوهات المحتملة للعلاقات الأمريكية-الكندية
- سيناريو التوافق الجزئي: في هذا السيناريو، تسعى كندا إلى التعاون مع الولايات المتحدة عند الحاجة، لكنها تحافظ على سيادتها واستقلالها في اتخاذ القرارات، مع تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الصين وأوروبا. هذا يتيح توازنًا دبلوماسيًا، بحيث تظل كندا حليفًا موثوقًا للولايات المتحدة، لكن مع مساحة أكبر من الاستقلالية في السياسة الخارجية.
- سيناريو المواجهة الاقتصادية: إذا استمرت إدارة ترامب في فرض تهديدات اقتصادية دون تقديم حوافز حقيقية، قد تضطر كندا إلى زيادة استقلالها الاقتصادي، بما في ذلك تطوير موارد الطاقة والبنية التحتية والتوسع في التجارة مع آسيا وأوروبا، مما يقلل من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة النفوذ الاقتصادي التقليدي.
- سيناريو التحالف المتوازن: يمكن أن يتحول الوضع إلى تعاون تكتيكي قائم على المصالح المتبادلة، حيث تواصل كندا دعم أمريكا في القضايا الأمنية، مثل الدفاع عن شمال أمريكا، بينما تتبنى سياسة تجارية أكثر استقلالية، مما يخلق علاقة قائمة على الاحترام المتبادل بدلاً من التبعية المطلقة.
تحليل استراتيجي
الاختلاف الأساسي بين كندا وأوروبا فيما يتعلق بالضغط الأمريكي يكمن في طبيعة الاعتماد الاقتصادي والأمني. بينما تعتمد أوروبا على الولايات المتحدة في الأمن الإقليمي، فإن كندا تشارك أمريكا في الدفاع عن القارة الشمالية، كما أن اقتصادهما متكامل للغاية، ما يجعل أي محاولة لفرض عقوبات شاملة مرهقة للطرفين.
بالإضافة إلى ذلك، يشير الكاتب زاكاري بايكين إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم نائب الرئيس ووزراء التجارة والخزانة، يعتبرون أن على كندا ببساطة “قول شكرًا” بدل الدفاع عن مصالحها وسيادتها”، وهو تصور خاطئ يعكس قصر نظر إدارة ترامب تجاه قوة النفوذ الكندي.
الآثار الطويلة المدى
إذا استمرت إدارة ترامب في استخدام التهديدات بدل الحوافز، فإن كندا ستعمل على تعزيز استقلالها الاستراتيجي، بما في ذلك تطوير قدراتها العسكرية والتجارية والدبلوماسية. هذا قد يؤدي على المدى الطويل إلى حليف أكثر قوة واستقلالية للولايات المتحدة، قادر على دعم الأمن القاري بشكل فعال، ولكنه لن يكون تابعًا أعمى للسياسات الأمريكية.
في المقابل، الإفراط في استخدام النفوذ الاقتصادي والسياسي قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين البلدين، وإلحاق ضرر دائم بالعلاقات الثنائية، ويجعل كندا أقل استعدادًا للتعاون في الأزمات المستقبلية.
توضح الأحداث الأخيرة أن كندا ليست مجرد تابعة للولايات المتحدة، بل شريك مستقل قادر على اتخاذ مواقف سياسية وتجارية مستقلة. التهديدات الاقتصادية أو السياسية غير المتوازنة، كما فعلت إدارة ترامب، قد تضعف النفوذ الأمريكي وتدفع كندا نحو تنويع شركاءها وتعزيز سيادتها. السيناريوهات المحتملة تشير إلى أن التوازن بين المصالح المشتركة والاستقلالية هو مفتاح الحفاظ على علاقة قوية بين الولايات المتحدة وكندا، وأن استخدام النفوذ كأداة وحيدة للضغط قد يكون مضادًا للاستراتيجية طويلة المدى.
في النهاية، يبرز هذا التحليل أن التعاون القائم على الاحترام المتبادل والتقدير لمصالح الطرف الآخر أكثر فعالية من التهديدات المستمرة، وأن كندا، بصفتها جارة قوية وشريك استراتيجي، لن تكون مجرد مستجيب للضغوط الأمريكية، بل حليفًا يشارك في صنع السياسات الأمنية والاقتصادية في قارة أمريكا الشمالية.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3387


