لطالما مثلت العلاقة بين روسيا والهند نموذجاً فريداً في العلاقات الدولية، حيث لم تكن مجرد صفقات تجارية عابرة، بل تحالفاً استراتيجياً صمد أمام أعاصير الحرب الباردة وتحولات النظام العالمي الجديد.
اليوم، وبينما تبرز الهند كقوة اقتصادية صاعدة تطمح لاحتلال المركز الثالث عالمياً، وتواجه روسيا ضغوطاً اقتصادية وتكنولوجية، يبرز “قطاع الطيران والفضاء” كساحة جديدة لإعادة صياغة هذا التحالف.
إن التحول من منطق “البائع والمشتري” إلى منطق “الشراكة في الابتكار والإنتاج” ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو ضرورة استراتيجية للهند لتأمين حدودها، ولروسيا للحفاظ على ريادتها التكنولوجية عبر الاستفادة من الطاقات البشرية والبرمجية الهندية الهائلة.
الفيتو والسلاح والدعم المطلق
بدأت القصة في عام 1947، ومنذ ذلك الحين، كانت موسكو (الاتحاد السوفيتي سابقاً) الظهير الاستراتيجي الذي لا يتزعزع للهند. فمنذ استخدام حق النقض “الفيتو” لدعم موقف الهند في قضية كشمير عام 1951، وصولاً إلى معاهدة الصداقة والتعاون عام 1971، أثبتت هذه العلاقة أنها “صمام أمان” للأمن القومي الهندي.

بينما كانت القوى الغربية تتردد في نقل التكنولوجيا الحساسة، وافق السوفيت في عام 1962 على نقل تكنولوجيا إنتاج طائرات MiG-21 إلى الهند بالكامل، وهو ما حُرمت منه الصين آنذاك. هذا الدعم لم يقتصر على الجو، بل امتد لبناء القواعد البحرية في فيساكاباتنام وتطوير سلاح المدرعات، مما وضع اللبنات الأولى لاستقلال الهند الدفاعي.
“صُنع في الهند”
مبادرة “صُنع في الهند” (Make in India) ليست وليدة اللحظة، بل بدأت بذورها في الستينيات بمساعدة سوفيتية. المصانع التي أُنشئت لإنتاج MiG-21 تطورت لتنتج طائرات Su-30 MKI، التي تشكل اليوم العمود الفقري للقوات الجوية الهندية، حيث تم تصنيع أكثر من 220 طائرة منها محلياً في منشآت “هال” (HAL).
هذا التعاون امتد للأرض والبحر؛ فدبابات “أجيا” (T-72) و”بيشما” (T-90) هي ثمرة تعاون تقني عميق. واليوم، يتوسع هذا التعاون ليشمل بناء السفن وناقلات البضائع في أحواض السفن الهندية بتكلفة تقل بنسبة 50% عن نظيرتها الروسية، مما يبرهن على التكامل بين التكنولوجيا الروسية والكفاءة التصنيعية الهندية.
المشاريع المشتركة
يعد صاروخ BrahMos الأسرع من الصوت أيقونة التعاون الدفاعي المشترك، حيث تحول من مشروع بحثي إلى منتج عالمي يتم تصديره للخارج. هذا النجاح يمهد الطريق لمشاريع أخرى طموحة، مثل إنتاج بنادق AK-203 في الهند بنسبة توطين تسعى لتصل إلى 100%.

على الرغم من تعثر بعض المشاريع مثل المقاتلة من الجيل الخامس (FGFA) في بدايتها، إلا أن روسيا لا تزال تراهن على عودة الهند لمشروع Su-57 “فيلون”. ومع الضغوط السوقية الحالية، تدرك موسكو أن الهند هي الشريك الأمثل الذي يمتلك التمويل، والبرمجيات المتطورة، والسوق الضخم لاستيعاب هذه التكنولوجيا المعقدة.
التفوق التكنولوجي الروسي
رغم الهالة التي تحيط بالتكنولوجيا الغربية، يظل الروس رواداً في مجالات لا تُنافس. فهم أول من اقتحم الفضاء، وأول من شيد المحطات الفضائية، والرواد في استخدام الصواريخ الفرط صوتية في القتال الفعلي. تتميز الأسلحة الروسية بصلابة هندسية وقدرة على المناورة تتحدى قوانين الديناميكا الهوائية، كما هو الحال في طائرات السوخوي.
علاوة على ذلك، تمتلك روسيا خبرات لا تضاهى في علم المعادن (Metallurgy) والأسلحة النووية والصواريخ الدفاعية مثل منظومة S-400، التي تعد الأقوى عالمياً بقدرة رصد تصل إلى 600 كم. هذه الخبرات هي ما تحتاجه الهند لتطوير ترسانتها لمواجهة جيرانها النوويين بفعالية وموثوقية.
مستقبل Aerospace: من الطائرات الإقليمية إلى المقاتلات الشبحية
تتجه الأنظار الآن نحو قطاع الطيران المدني والإقليمي من خلال مذكرات التفاهم لإنتاج طائرة SJ-100 (سوبر جت) وطائرات Il-114-300. هذه الخطوة تعكس رغبة الهند في تحويل قطاع الطيران إلى محرك نمو اقتصادي.
روسيا تمتلك العلم الأساسي (Know-how)، والهند تمتلك المهارات الإدارية، القوى العاملة الماهرة، وقدرات تطوير البرمجيات. هذا الاندماج يمكن أن يخلق مركزاً عالمياً للتصنيع لا يكتفي بتلبية احتياجات البلدين فحسب، بل يغزو الأسواق العالمية بمنتجات عالية الجودة وبتكلفة تنافسية.
لماذا الهند وروسيا صديقتان؟
يتعاون البلدان بشكل وثيق في قضايا ذات اهتمام وطني مشترك، بما في ذلك على مستوى الأمم المتحدة، ومجموعة البريكس، ومجموعة العشرين، ومنظمة شنغهاي للتعاون.

كما تدعم روسيا حصول الهند على مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. إضافةً إلى ذلك، أعلنت روسيا دعمها الصريح لانضمام الهند إلى مجموعة موردي المواد النووية ومنظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك).
سيناريوهات مستقبل التعاون (2026 – 2030)
السيناريو الأول
“تحالف السيادة” (الأرجح) في هذا السيناريو، تنجح الهند في استكمال مفاوضات Su-57E مع الحصول على “الشفرة المصدرية” (Source Code) بالكامل. والنتيجة تصبح الهند مركزاً عالمياً لصيانة وتصدير الطائرات الروسية المحدثة بإلكترونيات هندية.
السيناريو الثاني
“التباعد التكتيكي” حيث تستمر الهند في تقليل اعتمادها على روسيا لصالح طائرات الرافال الفرنسية ومشروعها المحلي (AMCA). والنتيجة: يقتصر التعاون مع روسيا على صيانة الأسطول الحالي (Su-30MKI) وإنتاج محدود للطائرات المدنية مثل SJ-100.
السيناريو الثالث
“الاندماج الصناعي الشامل” تتحول روسيا إلى “المصمم” والهند إلى “المصنع والمسوق” لأسواق الجنوب العالمي، والنتيجة: إنتاج مشترك لصواريخ “براموس 2” الفرط صوتية وتصديرها لدول آسيا وإفريقيا، وبناء طائرات نقل مدنية بمحركات أوروبية وأنظمة روسية-هندية.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3390


