أعلنت الصين أنها ستطبق نظام الصفر رسوم على واردات 53 دولة أفريقية بدءًا من الأول من مايو 2026، في تحرك يوسع نطاق المعاملة التفضيلية لبكين عبر القارة. تأتي هذه الخطوة بعد تمديد الولايات المتحدة برنامج النمو والفرص الإفريقي (AGOA)، في وقت تسعى فيه الدول الأفريقية لتعزيز صادراتها وتقليل العجز التجاري مع الشركاء الكبار. ويستثنى من هذا النظام فقط مملكة إسواتيني بسبب علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان، ما يعكس حساسيات السياسة الدولية ضمن العلاقات التجارية.
القرار جاء بعد جهود دبلوماسية مكثفة من زعماء أفارقة، أبرزها زيارة الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا للصين لتعزيز محادثات التجارة، وتوقيع اتفاقية إطار غير ملزمة بين وزيرة التجارة الجنوب أفريقية باركس تاو ووزير التجارة الصيني وانغ وينتاو، ليصبح جنوب أفريقيا الدولة الثالثة والثلاثون التي تدخل ضمن هذا الإطار التفضيلي.
تعزيز العلاقات التجارية وإعادة التوازن
تهدف بكين من خلال هذا القرار إلى دعم صادرات الدول الأفريقية وتعزيز الروابط الاستراتيجية معها. التجارة بين الصين وأفريقيا نمت بسرعة، حيث وصلت إلى 222.05 مليار دولار بين يناير وأغسطس 2025، بزيادة 15.4% مقارنة بالعام السابق، لكن العجز التجاري الأفريقي مع الصين ارتفع إلى 59.55 مليار دولار خلال نفس الفترة، ما يعكس اعتماد إفريقيا الكبير على تصدير المواد الخام مقابل استيراد السلع المصنعة عالية القيمة من الصين.
تستورد الصين من الدول الأقل نمواً في إفريقيا المعادن الخام مثل النفط والنحاس والكوبالت والحديد، التي تمثل نحو 40% من وارداتها، بينما تشمل صادرات الصين معدات صناعية وإلكترونيات وألواح الطاقة الشمسية، إذ استوردت إفريقيا 15,032 ميجاوات من الألواح الشمسية الصينية بين يوليو 2024 ويونيو 2025، بزيادة 60% عن العام السابق.
تحديات البنية التحتية والتصنيع الأفريقي
رغم إزالة الرسوم الجمركية، يحذر المحللون من استمرار العقبات الهيكلية التي تحد من قدرة الشركات الأفريقية على الوصول الكامل للسوق الصينية. تشمل هذه العقبات المعايير التنظيمية، تحديات اللوجستيات، والفجوات التمويلية. وبكين وعدت باتخاذ إجراءات لتسهيل التجارة، بما في ذلك إنشاء صناديق مالية ومنتجات دعم للشركات العاملة في إفريقيا.
ويوضح الخبراء أن النجاح في تضييق الفجوة التجارية لن يعتمد فقط على خفض الرسوم، بل على قدرة الاقتصادات الأفريقية على تنويع صادراتها بعيدًا عن السلع الأولية وبناء قدرات تصنيع تنافسية. هذا التحرك الصيني يشكل أيضاً فرصة استراتيجية لتعزيز النفوذ الاقتصادي لبكين في القارة، في وقت تتنافس فيه المبادرات الغربية مثل برنامج “Everything But Arms” الأوروبي وAGOA الأمريكي على نفس الأسواق.
الآثار الاقتصادية والدبلوماسية
تقدر الصين أنها ستخسر نحو 1.4 مليار دولار من الإيرادات الجمركية ضمن هذا النظام الموسع، لكنها تعزز بذلك نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي عبر إفريقيا. هذه الخطوة تظهر موقف بكين المتميز مقارنة بالبرامج الغربية التي تفرض قيوداً على الدول غير الأقل نمواً، أو تتطلب تجديدات دورية، مما يضع الصين كشريك أكثر موثوقية واستمرارية بالنسبة للقارة الأفريقية.
كما قد يؤدي القرار إلى تعزيز الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والتكنولوجيا، خصوصاً في مجالات الطاقة المتجددة والاتصالات، مما يعزز التكامل الاقتصادي ويخلق فرصاً للأعمال الأفريقية بالتوازي مع زيادة قدرتها التصديرية.
سيناريوهات مستقبلية
مع بدء تطبيق الصفر رسوم في مايو 2026، يمكن تصور عدة سيناريوهات:
في السيناريو الأول، قد تشهد الدول الأفريقية زيادة كبيرة في الصادرات، ما يحسن الإيرادات الحكومية ويعزز فرص التنمية الصناعية.
أما السيناريو الثاني، قد يبقى العجز التجاري مرتفعاً إذا لم تنجح الاقتصادات الأفريقية في تنويع منتجاتها، مما يجعل الفوائد قصيرة المدى محدودة.
فيما يتعلق السيناريو الثالث بالموقع الاستراتيجي: هذه الخطوة قد تزيد النفوذ الصيني في إفريقيا مقابل النفوذ الغربي، ما يخلق ديناميكية جديدة في العلاقات الدولية والتجارة العالمية.
في كل السيناريوهات، يبقى التنفيذ الفعلي مرتبطاً ببناء القدرات المحلية، تحسين البنية التحتية، وتوفير الدعم المالي والتقني للمصدرين الأفارقة، ما يجعل هذه الخطوة فرصة تاريخية وإحدى أكثر المبادرات تأثيراً في العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3544


