د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية
منذ 46 سنة في غمار الثورة الإيرانية؛ عندما داهم الطلاب الثوار مبنى السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا البعثة الدبلوماسية أكثر من سنة كاملة، لم تنقطع العلاقات السياسية بين البلدين فحسب، بل أصبح التفاوض مع واشنطن أحد تابوهات الجمهورية الإسلامية.
ما بين عامي 2003 و2004، شرع ماراثون المفاوضات حول البرنامج النووي بين إيران والغرب، كان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي آنذاك “حسن روحاني” يتفاوض مع وزراء خارجية دول الترويكا الأوروبية “بريطانيا وفرنسا وألمانيا”، لكن هذه المحادثات باءت بالفشل بسبب معارضة الولايات المتحدة.
بعد تولي الرئيس الأصولي “محمود أحمدي نجاد” السلطة عام 2005، واحتدام الأزمة النووية خلال دورتي رئاسته، انضمت الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى المفاوضات، وقاد الفريق الإيراني في الفترة من 2007 حتى 2013 السياسي المتشدد “سعيد جليلي” أمام الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية السيدة “كاترين آشتون”، مما أدى إلى تصديق مجلس الأمن على ستة قرارات ضد إيران، كبدت القطاعات الاقتصادية والعسكرية في البلاد خسائر فادحة.
عقب فوز المرشح الاعتدالي “حسن روحاني” بانتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2013، تعهد بإحداث تغيير جذري في نهج التفاوض مع الولايات المتحدة.
بعد أشهر قليلة من هذه التصريحات، وفي ختام زيارته الأولى إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، تحدث “روحاني”، مساء الجمعة 27 سبتمبر، هاتفيًا مع نظيره الأمريكي “باراك أوباما” أثناء توجهه إلى مطار “جون إف كينيدي الدولي”.

خلال هذا الاتصال أكد الرئيسان أن هناك إرادة سياسية لحل المشكلة النووية سريعًا، واتفقا على تهيئة الأجواء لحل القضايا الأخرى، وكذلك على التعاون في القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك. عقب الاتصال صرح “أوباما” لوكالات الأنباء: “لقد تحدثت توي هاتفيًا مع السيد روحاني الرئيس الإيراني. ناقشنا جهودنا الرامية إلى التوصل لاتفاق بخصوص البرنامج النووي الإيراني”.
وصفت وكالات الأنباء الإيرانية والعالمية هذا الاتصال بأنه “تاريخي”، باعتباره أول حديث مباشر بين رئيسي إيران وأمريكا بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ عام 1979.
مثلت هذه المكالمة نقطة تحول محورية في ملف البرنامج النووي الإيراني، فبعد عامين، استطاع وزير الخارجية المحنك “محمد جواد ظريف” إبرام الاتفاق النووي (برجام) مع مجموعة (5+1) في 14 يوليو 2015.
لا تزال صور “جواد ظريف” رافعًا يديه بعلامة النصر، محمولًا على أكتاف الإيرانيين عقب عودته من مدينة “لوزان” السويسرية، وسط فرحة عارمة تبشر ببدء صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية، وتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية عن كاهل الشعب المطحون جراء العقوبات الأممية، عالقة في أذهان قطاع كبير من الإيرانيين.
بعد قرابة عامين؛ وصل إلى البيت الأبيض الرجل النرجسي “دونالد ترامب” الذي كان يعتبر الاتفاق النووي أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة، وبعد جدال لفظي بينه وبين النظام الإيراني، وقع “ترامب” في 8 مايو 2018 مرسوم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، مما دفع إيران إلى تقليص تعهداتها في الاتفاق تدريجيًا كرد فعل على الانسحاب الأمريكي.
بعد عامين ونصف مع تولي “جو بايدن” السلطة، بدأت إيران والولايات المتحدة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي، لكن بعد جولات متعددة، وصلت مفاوضات فيينا في صيف عام 2022 إلى طريق مسدود خلال فترة الرئيس الراحل “إبراهيم رئيسي”.
بعد أسبوعين فحسب من عودته مرة أخرى إلى البيت الأبيض، وقع “دونالد ترامب” في 4 فبراير 2025، مرسوم تفعيل سياسة الضغوط القصوى على إيران مرة أخرى، لكنه ترك في الوقت نفسه باب التفاوض مع الإيرانيين مفتوحًا، حيث قال غداة التوقيع: “لقد وقعتُ القرار، لكن أتمنى ألا نضطر إلى استخدامه كثيرًا. علينا أن نرى؛ أيمكننا التوصل إلى اتفاق مع إيران أم لا”.

مع تصاعد المخاوف من قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل بهجوم محتمل على إيران، مما تسبب في ارتفاع سعر الدولار أمام الريال الإيراني بمقدار مرة ونصف خلال أشهر قليلة، أعربت طهران وواشنطن عن رغبتهما في استئناف المفاوضات.
في أواخر أبريل 2025، توجه وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقتشي” إلى سلطنة عُمان لإجراء محادثات غير مباشرة مع المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي “ستيف ويتكوف”؛ وهي مفاوضات امتدت خمس جولات متتالية دون إحراز تقدم ملموس، استضافت مسقط ثلاثًا منها، وروما اثنتين.
في 12 يونيو 2025، شنت إسرائيل هجمات واسعة النطاق على إيران؛ استمرت 12 يومًا، شاركت فيها الولايات المتحدة بقصف المنشآت النووية في نطنز وفوردو وإصفهان.
بعد انتهاء الحرب وتصاعد التوتر بين إيران والغرب حول البرنامج النووي؛ قامت دول الترويكا الأوروبية في أواخر الصيف الماضي بتفعيل “آلية الزناد”، وبموجبها، أعاد مجلس الأمن العقوبات الأممية ضد طهران، بعد تجميدها قرابة 10 سنوات منذ إبرام الاتفاق النووي، حيث دخلت حيز التنفيذ في 28 سبتمبر 2025.
في يناير 2026 اجتاحت إيران احتجاجات عارمة جراء الغلاء وارتفاع أسعار العملات الأجنبية أمام الريال الإيراني، امتدت إلى سائر أنحاء البلاد، وكادت تطيح بالنظام في ظل عمليات تخريبية وعملاء محليين في الداخل، وحرب نفسية وإعلامية من الخارج، شنها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، ونجل الشاه “رضا بهلوي الثاني” الحالم باستعادة عرش أبيه مرة أخرى.
الأزمة الاقتصادية وما يتبعها من حركات احتجاجية، وصول حاملة الطائرات الأمريكية “إبراهام لينكولن” إلى منطقة الشرق الأوسط، الضغوط الدولية، تخييم شبح الحرب على الأجواء؛ كلها أسباب جعلت إيران تتقبل مساعي عدد من الدول العربية لاستئناف التفاوض مع الولايات المتحدة.
بعد قرابة ثمانية أشهر من تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وخمس جولات تفاوضية غير مجدية، عُقدت الجولة الأولى –أو بالأحرى السادسة– من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في مسقط صباح الجمعة 2 يناير 2026، بوساطة مصرية، سعودية، قطرية، عُمانية، باكستانية؛ وصفها وزير الخارجية الإيراني بأنها “بداية طيبة” يمكن أن تسفر عن إطار توافقي إذا سارت على هذا النحو.
تجري هذه المفاوضات وسط أجواء متوترة، وأوضاع إقليمية متأزمة، ومتغيرات جيوسياسية متسارعة في منطقة الشرق الأوسط. من الصعب التنبؤ بنتائجها، لكن من المؤكد أنها مفاوضات فارقة في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3442


