الأكثر قراءة

للحد من فضيحة إبستين.. هل تنقذ الحرب على إيران ترامب؟

عصمت الله عبدلي — صحفي أفغاني وخبير في الشؤون...

سلاف فواخرجي أول عربية تحلق على جناح السيمرغ الإيراني

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

دراسة| تحولات ميزان القوة في النظام الاقتصادي العالمي

يواجه النظام الاقتصادي العالمي اليوم لحظة تحول تاريخية غير...

الصين تواجه الغرب بالأسواق الأفريقية.. صفر رسوم وامتيازات اقتصادية

أعلنت الصين أنها ستطبق نظام الصفر رسوم على واردات...

أوروبا بين واشنطن وأنقرة.. الاستقلال أم التبعية الجديدة؟

لعقود طويلة، قامت المعادلة الأمنية عبر الأطلسي على صفقة...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخباريةانسحاب أمريكا من قاعدة التنف.. تداعيات استراتيجية وسيناريوهات مستقبلية في سوريا

انسحاب أمريكا من قاعدة التنف.. تداعيات استراتيجية وسيناريوهات مستقبلية في سوريا

بعد أكثر من عقد من الوجود العسكري، انسحبت القوات الأمريكية من القاعدة الاستراتيجية في التنف بسوريا، ما يمثل تحولًا كبيرًا في التواجد الأمريكي في المنطقة. تأسست قاعدة التنف عام 2014 خلال الحرب الأهلية السورية، وكانت مركزًا لعمليات مكافحة تنظيم داعش ونقطة أساسية لمواجهة النفوذ الإيراني. تقع القاعدة عند مثلث الحدود بين سوريا والأردن والعراق، مما منحها أهمية استراتيجية في السيطرة على الطرق التي تربط دمشق بطهران.

يعكس الانسحاب الأمريكي انتقالًا مدروسًا قائمًا على الظروف لتقليل الوجود الميداني مع الحفاظ على القدرة على الرد السريع على التهديدات المستجدة. كما جاء هذا التحول بعد تغييرات كبيرة على الساحة السورية، بما رحيل الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024 وظهور الرئيس أحمد الشرع، الذي تدعمه الولايات المتحدة.

الدور الاستراتيجي لقاعدة التنف

خلال فترة عملياتها، كانت قاعدة التنف نقطة محورية في مكافحة تنظيم داعش، حيث سهّلت العمليات المشتركة ضمن قوات المهام المشتركة إذ  قامت القوات الأمريكية بتنسيق الضربات الجوية وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتدريب الشركاء المحليين لتفكيك التنظيم الإرهابي، ما أسفر عن هزيمة داعش إقليميًا بحلول 2019.

إلى جانب مكافحة الإرهاب، لعبت القاعدة دورًا جيوسياسيًا مهمًا في الحد من النفوذ الإيراني في سوريا. فقد أعاقت القاعدة خطوط الإمداد إلى حزب الله في لبنان وكانت نقطة انطلاق للعمليات المشتركة للتحالف. ويحذر المحللون من أن الانسحاب قد يخلق فراغًا استراتيجيًا في هذا الممر، مما يضعف قدرة القوات السورية على السيطرة ومنع ترسخ النفوذ الإيراني.

القيادة السورية الجديدة وسياسة الولايات المتحدة

يُعد صعود أحمد الشرع تطورًا فريدًا في سوريا فقد أصبح الآن شخصية سياسية مركزية تسعى إلى دمج المجموعات المسلحة السابقة في مؤسسات الدولة. وجاءت زيارته للبيت الأبيض في نوفمبر 2025 ورفع جزئي للعقوبات الأمريكية كإشارة على اعتراف واشنطن بقيادته والتحول نحو الشراكة بدل المواجهة.

يعكس هذا التحول في السياسة تحت إدارة ترامب إعادة ترتيب استراتيجية أوسع. من خلال دعم الشرع، تسعى الولايات المتحدة لضمان استمرار عمليات مكافحة داعش بقيادة محلية، مما يقلل الحاجة لوجود عسكري أمريكي واسع مع الحفاظ على النفوذ في عملية استقرار سوريا بعد الصراع.

الاستمرار في مكافحة الإرهاب

على الرغم من انسحاب القوات من التنف، يشدد قادة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) على جاهزية الرد على تهديدات داعش. شملت العمليات الأخيرة تدمير مواقع اتصالات للتنظيم، ومخازن أسلحة، وعقد لوجستية باستخدام أسلحة دقيقة على متن الطائرات المأهولة وغير المأهولة.

توضح هذه الإجراءات النهج القائم على الظروف؛ إذ يتم تقليص الوجود الأمريكي الميداني مع الاحتفاظ بقدرات الرد السريع. ويركز هذا النهج على القيادة المحلية في مكافحة الإرهاب، حيث تتولى القوات السورية العمليات بقيادة ودعم أمريكيين.

مخاطر الانسحاب

يطرح انسحاب القوات الأمريكية عدة مخاطر. يحذر المحللون من أن القوات السورية تتكون من مقاتلين متنوعين من خلفيات مختلفة، بما في ذلك عناصر كانت متطرفة سابقًا. قد يؤدي دمج هؤلاء المقاتلين في المؤسسات الرسمية إلى اختلافات في الأداء العملياتي ويؤثر على قدرة الدولة على السيطرة على الأراضي ومنع ظهور تهديدات جديدة.

كما يقلل الانسحاب من القدرة الأمريكية المباشرة على مراقبة نشاط إيران على خطوط الإمداد الحيوية، مما قد يتيح لطهران توسيع نفوذها في جنوب سوريا وشمال لبنان. ويشير مراقبون إلى أن ذلك قد يزعزع الاستقرار الإقليمي ويعقد تحقيق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المشرق.

فرص تحقيق الاستقرار الإقليمي

على الرغم من المخاطر، يوفر الانسحاب فرصة لتعزيز الاستقرار على المدى الطويل. فالـ تسليم قاعدة التنف للقوات السورية يعكس ثقة واشنطن في شركائها المحليين ويشجع على تحمل المسؤولية الأمنية بشكل محلي. وقد يسهم ذلك في تسوية النزاعات بين المجموعات المسلحة وتعزيز الحكم المركزي في المناطق التي كانت تسيطر عليها ميليشيات متفرقة سابقًا.

يسهم دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في المؤسسات المركزية في دعم هذا الاتجاه. من خلال دمج القوات الكردية ذات التوجه الاستقلالي، تسعى الولايات المتحدة لتعزيز الحكم الشامل وتقليل احتمالية ظهور تمرد مسلح، ودعم الاستقرار السياسي طويل الأجل.

التداعيات الجيوسياسية

يسهم انسحاب قاعدة التنف في إعادة تشكيل الديناميات الإقليمية. بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل ذلك إعادة ضبط استراتيجية؛ تقليل القوات على الأرض مع الحفاظ على النفوذ من خلال الشراكات والقدرات الدقيقة. أما بالنسبة لسوريا، فإن قيادة الشرع تقرب دمشق من المصالح الأمريكية في مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار.

كما ستضطر الدول المجاورة، بما في ذلك الأردن والعراق، إلى تعديل مواقفها الأمنية. ويصبح الأردن محورًا لوجستيًا حيويًا للعمليات الأمريكية المتبقية، مما يعكس الطبيعة المترابطة للهياكل الأمنية في المشرق.

سيناريوهات مستقبلية

بعد تسليم التنف، يمكن تصور عدة سيناريوهات:

  1. سيناريو الاستقرار: تحافظ القوات السورية بقيادة الشرع على السيطرة على القاعدة، وتمنع عودة داعش، وتتمكن من إدارة النفوذ الإيراني بفعالية. وتظل القوات الأمريكية جاهزة للتدخل عند الحاجة، مما يتيح نموذجًا مستدامًا بقيادة شركاء محليين.
  2. سيناريو عدم الاستقرار الجزئي: تواجه القوات السورية هجمات متفرقة من داعش أو صراعات داخلية بين الفصائل. تنفذ القوات الأمريكية ضربات انتقائية وتقدم الدعم الاستخباراتي، ما يوازن بين إدارة المخاطر والحد الأدنى من التورط المباشر.
  3. سيناريو تحول القوى الإقليمي: تستغل إيران أو الميليشيات التابعة لها الفراغ لتوسيع نفوذها في جنوب سوريا وشمال لبنان. يختبر ذلك مصداقية الولايات المتحدة، وقد يستلزم إعادة الانخراط أو تعزيز الشركاء المحليين.

كل سيناريو يحمل تداعيات على السياسة الأمريكية، وأهداف مكافحة الإرهاب، وتوازن القوى الإقليمي. والنتيجة النهائية تعتمد على فعالية الحكم السوري، وتماسك القوات المحلية، واستمرار الدعم الأمريكي الدبلوماسي والعسكري عند الحاجة.

محطة تاريخية

يمثل انسحاب القوات الأمريكية من التنف محطة تاريخية في الوجود العسكري الأمريكي بسوريا. ويعكس تحولًا نحو إطار أمني بقيادة الشركاء المحليين، مع التركيز على مكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتقليل التواجد الأمريكي المباشر.

بينما تبقى المخاطر قائمة، بما في ذلك عودة الجماعات المتطرفة وتوسع النفوذ الإيراني، تظهر الفرص لتعزيز الحكم المركزي السوري وتعميق الشراكات الإقليمية.

ويعتمد نجاح هذا الانتقال على المراقبة الدقيقة، واستمرار الدعم الأمريكي عند الحاجة، وقدرة القوات السورية بقيادة الشرع على الحفاظ على النظام. يشكل تسليم قاعدة التنف اختبارًا عمليًا ورمزيًا لاستراتيجية إدارة ترامب، التي تعتمد على الشركاء المحليين لتحقيق الاستقرار مع الحد الأدنى من التورط الأمريكي في بيئة جيوسياسية معقدة.

 

 

 

ذات صلة