عادت صناعة الفحم الأمريكية إلى واجهة الجدل من جديد؛ فهل هي ضرورية لتأمين الطاقة وخفض التكاليف أم أنها ضارة وتسمم الهواء الذي يتنفسه الملايين.
تحركت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتخفف القيود على انبعاثات الزئبق في محطات الفحم، في خطو تهدف إلى التخفيف من حدة اللوائح البيئية وتعزز صناعة الوقود الحفوري.
تراجع عن قيود مشددة
أقدمت وكالة حماية البيئة الأمريكية على إلغاء تعديلات صارمة كانت قد أُقرت في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، والتي شددت القيود على كمية السموم، وعلى رأسها الزئبق، المنبعثة من محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم والنفط.
وبموجب القرار الجديد، ستعود المعايير المعروفة باسم “معايير الزئبق والسموم الهوائية” إلى مستويات عام 2012، التي أُقرت خلال إدارة الرئيس الامريكي الأسبق باراك أوباما. الإدارة الحالية بررت الخطوة بأن القواعد السابقة فرضت أعباء مالية غير ضرورية على منتجي الطاقة التقليدية.
مبررات اقتصادية وأمن طاقة
مسؤولو الإدارة أكدوا أن تخفيف القيود سيوفر مئات الملايين من الدولارات، ويساعد في إبقاء محطات الفحم قيد التشغيل، في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة طلبًا متزايدًا على الكهرباء، خاصة مع توسع مراكز البيانات والصناعات الثقيلة.
ترامب دافع مرارًا عن الفحم، واصفًا إياه بأنه مصدر “نظيف وجميل” وضروري لضمان استقرار الشبكة الكهربائية، خصوصًا خلال موجات الطقس القاسية أو أوقات الضغط على الإمدادات. كما استخدمت الإدارة صلاحيات طارئة للإبقاء على خمس محطات فحم كانت مقررة للإغلاق. وذلك وفق ما ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية.
غضب بيئي وتحذيرات صحية
في المقابل، أثار القرار موجة انتقادات من جماعات البيئة والصحة العامة، التي رأت فيه تراجعًا خطيرًا عن جهود تقليص التلوث الصناعي. منظمات عدة اعتبرت أن تخفيف القيود يضع مصالح صناعة الفحم فوق صحة المواطنين.

الزئبق مادة سامة يمكن أن تؤثر على الجهاز العصبي، خاصة لدى الأطفال والحوامل. ويؤكد خبراء أن تقليل الانبعاثات خلال العقد الماضي ساهم في خفض مستويات التلوث وتحسين جودة الهواء في عدد من الولايات الصناعية.
سياق أوسع لتفكيك اللوائح المناخية
الخطوة تأتي ضمن سلسلة إجراءات أوسع اتخذتها الإدارة لتقليص القواعد البيئية. ففي الأسبوع الماضي، ألغت وكالة حماية البيئة تحديدًا علميًا كان يشكل أساس قدرة الحكومة الفيدرالية على تنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة لما يقارب عقدين.
كما تم تخفيف معايير تتعلق بالتخلص من رماد الفحم والانبعاثات الأخرى، في إطار سياسة تعتبر أن اللوائح البيئية المشددة رفعت تكاليف الإنتاج وأثرت سلبًا على تنافسية الصناعة الأمريكية.
دعم من قطاع التعدين
القرار لقي ترحيبًا من جمعيات تمثل صناعة التعدين والطاقة، التي رأت أن القيود السابقة كانت مكلفة للغاية مقارنة بالمكاسب البيئية المحدودة التي تحققها. وأشارت إلى أن استمرار التشدد كان سيؤدي إلى إغلاق مبكر لعدد أكبر من محطات الفحم، ما قد يهدد استقرار الإمدادات الكهربائية في بعض المناطق.
بيانات حديثة أظهرت أن استهلاك الفحم ارتفع بنسبة 5% خلال الربع الثالث من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر على عودة تدريجية لهذا المصدر التقليدي للطاقة.
بين الاقتصاد والبيئة
القرار يضع الولايات المتحدة مجددًا أمام معادلة معقدة: كيف توازن بين احتياجات الطاقة المتزايدة والالتزامات البيئية؟ وبينما ترى الإدارة أن أمن الطاقة وخفض التكاليف أولوية قصوى، يحذر معارضون من أن التراجع عن القيود قد يحمل كلفة صحية وبيئية طويلة الأمد.
المعركة القانونية والسياسية حول هذه الخطوة قد لا تتأخر، خاصة في ظل استعداد منظمات بيئية للطعن على القرار أمام المحاكم. وبين حجج الاقتصاد وتحذيرات الصحة، يبقى الهواء نفسه ساحة الصراع القادمة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
مع قرار إدارة ترامب بتخفيف قيود الزئبق، تبرز عدة احتمالات للمستقبل القريب
أولًا، قد تستمر محطات الفحم في العمل بوتيرة أعلى، ما يعزز إمدادات الكهرباء ويخفض تكاليف الطاقة على المدى القصير، لكنه يزيد من الانبعاثات السامة ويشكل ضغطًا على الصحة العامة.
ثانيًا، من المتوقع أن ترفع جماعات بيئية دعوى قضائية للطعن في القرار، ما قد يؤدي إلى تعليق مؤقت أو تعديل جزئي للمعايير، وهو ما يعيد القضية إلى ساحة النزاع القانوني والسياسي.
ثالثًا، قد يخلق القرار حافزًا لبعض الولايات والمدن لتطبيق معايير محلية أكثر صرامة، في مواجهة تخفيف القيود الفيدرالية، ما يعكس تباين السياسات بين مستويات الحكم المختلفة.
وأخيرًا، قد يلجأ قطاع الطاقة إلى حلول مبتكرة لتقليل الانبعاثات دون خفض الإنتاج، ما يفتح الباب أمام تقنيات جديدة للحفاظ على التوازن بين الاقتصاد والبيئة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3573


