مع دخول العام الأول من الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تعد أوروبا تتعامل مع ملف الأمن باعتباره شأناً مؤجلاً أو مضموناً تحت المظلة الأمريكية. الرسالة وصلت بوضوح: الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد خياراً آمناً. فالقارة التي عاشت لعقود على ضمانات حلف شمال الأطلسي، تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي لإعادة تعريف دورها العسكري وموقعها في معادلة الردع العالمي.
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أعلنت في مؤتمر ميونيخ للأمن أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 80% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب الروسية الأوكرانية. لكن هذا الارتفاع الكبير لا يخفي الانقسام العميق حول الطريق الأنسب لإدارة مرحلة التحول: هل تكون أوروبا ركناً داخل الناتو أم تبني لنفسها مظلة مستقلة قادرة على العمل منفردة؟
خلاف الرؤى بين بروكسل والناتو
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته يرى أن الدفاع الأوروبي يجب أن يظل جزءاً عضوياً من الحلف، لا بديلاً عنه. فبحسب رؤيته، يتولى الناتو تحديد المعايير والأهداف العسكرية، بينما يقتصر دور الاتحاد الأوروبي على تعبئة التمويل وتنظيم الصناعة الدفاعية. ومن هذا المنطلق، لا مانع لديه من إنفاق أموال أوروبية على شراء أسلحة أمريكية طالما أنها تلبي الاحتياجات العاجلة.
في المقابل، تدفع أورسولا فون دير لاين باتجاه إحياء بند الدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن التهديدات الأخيرة — ومنها تصريحات ترامب حول غرينلاند — تفرض على أوروبا أن تكون قادرة على التحرك عسكرياً بشكل مستقل إذا اقتضت الضرورة. وهي تشدد على أن أموال المشتريات الدفاعية الأوروبية يجب أن تخدم بالدرجة الأولى بناء قاعدة صناعية أوروبية قوية، حتى لو أثار ذلك امتعاض واشنطن.
معادلة مزدوجة.. داخل الناتو وخارجه
الحقيقة أن كلا الطرحين يحمل وجهاً من الصواب. فالوصول إلى “الاستقلال الاستراتيجي” الكامل سيستغرق سنوات من الاستثمار والتكامل الصناعي والعسكري. وخلال هذه الفترة، لا تستطيع أوروبا المجازفة بفك ارتباطها بالمظلة الأمريكية. لذلك تبدو المقاربة الأكثر واقعية هي السير في مسارين متوازيين: تعزيز القدرات داخل الناتو، والعمل تدريجياً على بناء قدرة ذاتية مستقلة.
هذا التوازن يتطلب إدارة دقيقة للعلاقة مع واشنطن. فبينما يعتمد الأمن الأوروبي حالياً على القدرات الأمريكية، فإن تصاعد النزعة الانعزالية في الولايات المتحدة يفرض على القارة الاستعداد لأسوأ الاحتمالات. وهنا تبرز أهمية التنسيق السياسي بين بروكسل والناتو، حتى وإن بدت أحياناً ملامح “الشرطي الطيب والشرطي السيئ” في الخطاب العلني.
مبادرة SAFE وإعادة تشكيل الصناعة الدفاعية
أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة SAFE بتمويل مشترك قائم على ديون بقيمة 150 مليار يورو، ضمن هدف تعبئة يصل إلى 800 مليار يورو لإعادة التسلح بحلول 2030. وتشترط المبادرة أن يتضمن كل مشروع نسبة لا تقل عن 65% من المحتوى الأوروبي، وأن تشارك فيه دولتان أوروبيتان على الأقل، بهدف تعزيز التكامل الصناعي وتقليل الاعتماد الخارجي.
لكن التحدي لا يقتصر على التمويل، بل يمتد إلى تغيير العقليات الوطنية. فالدول الكبرى مطالبة بالتخلي عن التمسك بـ”الأبطال الوطنيين” في قطاع السلاح، والانفتاح على مشتريات أوروبية مشتركة تركز على الكفاءة والقيمة. هذا يتطلب مستوى عالياً من الثقة بين الدول، ربما يفوق ما تطلبه إنشاء العملة الموحدة أو إلغاء الحدود الداخلية.
الاستعداد لحرب المستقبل لا الماضي
أحد الانتقادات الموجهة لبعض الحكومات، وعلى رأسها ألمانيا، أنها تركز على الأسلحة التقليدية مثل الدبابات، ما يخدم الشركات الكبرى القائمة أكثر مما يدعم الابتكار. في المقابل، يشدد خبراء على ضرورة توجيه الاستثمارات نحو التقنيات العسكرية من الجيل الجديد، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي، والأسلحة فرط الصوتية، والطائرات المسيّرة، إضافة إلى البنية الرقمية المرتبطة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.
فمفهوم الردع لم يعد يعتمد فقط على التفوق العددي أو المدرعات الثقيلة، بل على التفوق التكنولوجي وسرعة الاستجابة والقدرة على العمل في بيئات سيبرانية معقدة. ومن دون تحقيق استقلال نسبي في هذه المجالات، ستظل أوروبا معرضة للضغط الاستراتيجي من شركائها قبل خصومها.
سيناريوهات مستقبل الأمن الأوروبي
السيناريو الأول: تكامل محسّن داخل الناتو
تستمر أوروبا في زيادة إنفاقها الدفاعي، لكنها تبقى معتمدة على القيادة الأمريكية داخل الحلف. يتم توزيع الأدوار بوضوح، مع تعزيز الصناعات الأوروبية دون قطيعة مع السوق الأمريكية. هذا السيناريو هو الأكثر استقراراً على المدى القصير.
السيناريو الثاني: استقلال تدريجي متوازن
تبني أوروبا قدراتها الصناعية والتكنولوجية بسرعة، وتصبح قادرة خلال عقد على تنفيذ عمليات عسكرية كبرى دون دعم أمريكي مباشر، مع الحفاظ على الناتو كإطار سياسي وأمني مرن.
السيناريو الثالث: قطيعة استراتيجية
في حال تصاعد التوتر مع واشنطن أو تراجع الالتزام الأمريكي بأمن القارة، قد تتجه أوروبا إلى إنشاء بنية دفاعية مستقلة بالكامل، ما يعيد رسم خريطة التحالفات الغربية ويخلق واقعاً أمنياً جديداً.
في المحصلة، تبدو أوروبا اليوم أمام خيار مصيري: إما أن تتحول إلى قوة أمنية مكتفية ذاتياً، أو تظل رهينة تقلبات السياسة الأمريكية. وبين الأمل في أفضل الاحتمالات والاستعداد لأسوأ السيناريوهات، تتشكل ملامح مرحلة دفاعية جديدة قد تعيد تعريف موقع القارة في النظام الدولي.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3549


