د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية
في أول أفلامها الروائية الطويلة، تتناول المخرجة الأفغانية المقيمة في باريس “شَبنم زرياب”، في “جلاجل كابل” Les Clochettes de Kaboul، قضية شائكة منتشرة في المجتمع الأفغاني، تعد تابوهًا دينيًا، تُعرف باسم “البتشابازي (بچهبازی)” أي “الغلمانية”، أو بعبارة أوضح “التحرش بالأطفال والاعتداء عليهم”.
تدور أحداث الفيلم في خضم سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل، وعودتهم مرة أخرى إلى سدة الحكم في البلاد منتصف أغسطس 2021م.
الفيلم حاليًا في مرحلة ما بعد الإنتاج، وأجزاء كبيرة منه مصورة في أماكنها الطبيعية بأفغانستان، وهو من بطولة النجمة الإيرانية المشهورة “جولشيفتة فراهاني”، بمشاركة عدد من الممثلين الأجانب ذوي الأصول الإيرانية والأفغانية؛ من بينهم: الأفغاني الفرنسي “سيد هاشمي”، والأفغاني النمساوي “روهيد خان”، والإيرانية النرويجية “فروزان جمشيد نجاد”.
جولشيفتة فراهاني
ولدت “جولشيفتة فراهاني” في طهران عام 1983، وهي تنحدر من عائلة فنية أصيلة، فأبوها المخرج “بهزاد فراهاني”، وأمها الممثلة “فهيمة رحيم نيا”، وشقيقتها الكبرى الممثلة “شقايق فراهاني”.
تعتبر “فراهاني” إحدى الممثلات الإيرانيات المعروفات على الصعيد العالمي؛ حيث شاركت في عدد من الأفلام المهمة بالسينما الإيرانية والهوليوودية، وحققت نجاحًا ملحوظًا، كما نالت عددًا من الجوائز المرموقة في مهرجانات إيرانية ودولية.
عقب سفرها إلى الولايات المتحدة عام ۲۰۰۸ ومشاركتها في بطولة فيلم “كتلة أكاذيب” Body of Liesمع النجمين “ليوناردو دي كابريو” و”راسل كرو” من إخراج “ريدلي سكوت”، دون موافقة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ثم ظهورها عارية على غلاف المجلة الفرنسية “مدام فيجارو”” Madame Figaro عام 2012، كشکل من أشكال التمرد على القيود الشديدة والرقابة الصارمة على الفنون والثقافة تحت مظلة الرئيس الأصولي المتشدد “محمود أحمدي نجاد” آنذاك، مُنعت “فراهاني” من دخول الأراضي الإيرانية، ووفقًا لما صرحت به لوكالات الأنباء وقتها، فإنها تلقت اتصالًا من الحكومة الإيرانية مفاده أنها لم تعد مُرحبًا بها في إيران، وعليها ألا تفكر في العودة مرة أخرى إلى البلاد، حيث تقيم حاليًا في باريس.
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت “فراهاني” واحدةً من أبرز الفنانات الإيرانيات المنددات بسياسات النظام الإيراني القمعية، والمدافعات عن حقوق المرأة الإيرانية وحرياتها في الملبس والحياة الاجتماعية.
فراهاني تستمع إلى جلاجل كابل
تلعب “جولشيفتة فراهاني” في فيلم “جلاجل كابل” دور أرملة تُدعى “ليلى”، تعمل طاهية في مطعم بمدينة كابل. تكتشف تدريجيًا أن المطعم غطاء تستخدمه شبكة دعارة في ممارسات “الغلمانية”، حيث يُجبر الصبية على ارتداء ملابس نسائية، والتبرج، والرقص أمام رجال أثرياء ونافذين في الدولة من أجل تسليتهم والترفيه عنهم وتلبية شهواتهم المنحرفة.
مع اقتراب مقاتلي حركة طالبان من كابل ووشكانها على السقوط في براثنهم، تقرر “ليلى” مساعدة مجموعة من هؤلاء الصبية على الفرار من أفغانستان، خشيةً من مصير مجهول ومحفوف بالخطر ينتظرهم.
وفقًا لما تذكره المخرجة “شبنم زرياب”، فإنها كتبت سيناريو الفيلم بالتعاون مع شقيقتها “برند”، وكان هدفها من صناعته تسليط الضوء على ظاهرة “الغلمانية”؛ تلك العادة الاجتماعية التي لا تزال تمارس في بعض المناطق الأفغانية حتى الآن.
تقول زرياب: “إن هذه الظاهرة تعكس بشكل رمزي وضع مجتمع يضع حدًا فاصلًا بين النساء والرجال، ما يتيح مجالًا لحدوث أبشع أشكال الاستغلال. إن الفيلم يجسد واقع حياة النساء والأطفال في أفغانستان، سواء قبل عودة طالبان إلى السلطة عام 2021 أو بعدها؛ وهي فترة فقد فيها ملايين الأفغان حقوقهم الأساسية وصاحبتها اضطرابات اجتماعية عديدة، تحت مسمع ومرأى من عالم غير مبالٍ. هذا الفيلم مسؤولية شخصية، ونوع من المقاومة الصامتة”.
“جلاجل كابل” اسم ذو مغزى، عنونت به “زرياب” الفيلم؛ دلالةً على الموضوع الشائك المطروح في العمل. “الجلاجل” هي “أجراس صغيرة” يُجبر الصبي الراقص على ربطها حول كاحليه ومعصميه. حين يتمايل بقدميه ويحرك يديه، تصدر أصواتًا تثير إعجاب الرجال الشاخصين فيه وتستثيرهم.
فيلم “جلاجل كابل” إنتاج أوروبي مشترك من قبل عدة كيانات سينمائية كبيرة؛ الشركتين الفرنسيتين “ألتا روكا فيلمزAlta Rocca Films ، و”آرتي فرانس سينما” Arte France Cinéma، والشركة الألمانية “ستارهاوس فيلم برودكشن”Starhaus Filmproduktion ، والشركة البلجيكية “فرسوس برودكشن” Versus Production،
ستقوم شركة “لو باكت” Le Pacte بتوزيع الفيلم في فرنسا، بينما ستقوم شركة “جراند فيلم” Grandfilm بتوزيعه في ألمانيا، وشركة “أوه براذر” O’Brother Distribution بتوزيعه في بلجيكا.
كانت شركة “لو باكت” الفرنسية قد حصلت على حقوق تسويق الفيلم على الصعيد الدولي خلال “سوق الفيلم الأوروبي” الذي انطلق مع بدء فعاليات الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي الذي يعقد في الفترة من 12 حتى 22 فبراير 2026، وفي هذا الصدد صرح مدير المبيعات في الشركة “رومان رانكوريل”،Romain Rancurel للمجلة البريطانية “سكرين إنترناشيونال” Screen International بأن تجسيد الممثلة الإيرانية المشهورة “جولشيفتة فراهاني” لشخصية “ليلى” يمنح الفيلم قوة وانتشارًا لا يمكن إنكارهما، سواء للفيلم أو للقضية التي يدافع عنها. كما أن دمج مشاهد صُوِّرت في مواقع حقيقية داخل أفغانستان، يقدم صورة من قلب البلاد نادرًا ما نراها على شاشة السينما، ويضفي لمسة من الواقعية والمصداقية على أحداث القصة.
حصول شركة توزيع سينمائي كبيرة بحجم “لو باكت” الفرنسية على حقوق تسويق الفيلم على الصعيد الدولي، ومشاركة ممثلة إيرانية مشهورة على الصعيد العالمي مثل “جولشيفتة فراهاني” في بطولته، سيفتح الأبواب أمام الفيلم نحو المشاركة في المهرجانات الدولية والانتشار السريع، خاصة أنه يناقش أحد تابوهات المجتمعات الإسلامية في بلد متجذر فيه الإسلام الراديكالي منذ سنوات طويلة.
شبنم زرياب
“شبنم زرياب” كاتبة ومخرجة أفغانية مقيمة في باريس، هي ابنة القاصَّين المعروفين “رَهنورد زرياب”، و”سبوجَمي رؤوف”. ولدت عام 1982 في كابل، وفي عام 1991، هاجرت إلى مدينة “مونبلييه” جنوبي فرنسا بصحبة أمها وشقيقتيها “نجين وبرند”، ثم لحق بهن الأب بعد عدة سنوات.
في عام 2011، ألفت “شبنم” روايتها الأولى بعنوان “عازف البيانو الأفغاني” Le Pianiste afghan، مستلهمةً أحداثها من طفولتها وهجرتها إلى فرنسا. بعد عدة سنوات، توجهت إلى عالم السينما، حيث قدمت ثلاثة أفلام قصيرة:
- رنين الجلاجل Au bruit des clochettes، عام 2015. يعد هذا الفيلم نواة أول أفلامها الروائية الطويلة، حيث تدور أحداثه حول الفتى “سامان” المكلف من قبل ربيبه بتلقين “بيجن”، الصبي الجديد، فنون “الغلمانية”.
- الصبي الهجَّان” L’Enfant Chameau عام 2018. يروي الفيلم قصة صبي يُدعى “رامين”، اختطفته مجموعة من الأشخاص في الصحراء، وأجبروه على خوض غمار سباقات الهجن، مقابل أن يرجعوه إلى أمه مرة أخرى.
- هیزیا Hizia عام 2020. يروي الفيلم قصة رجل يُدعى “فهيم” تطارده الشرطة، حاملًا حقيبةً كبيرةً تحوي طفلةً رضيعةً اسمها “هيزيا”. يطرق باب أحد البيوت عشوائيًا، فتفتح له امرأة مسنة تُدعى “لويز”، يسلمها الطفلة ويرجوها أن تعتني بها، فتوافق المرأة، ثم يلوذ بالفرار، لكن سرعان ما تعتقله الشرطة.
البتشابازي: موروث ثقافي وتقليد اجتماعي أفغاني
بتشابازي (بچهبازی) في اللغة الفارسية إحدى الكلمات المستخدمة في الدلالة على معاني المثلية، واللوط، والشذوذ الجنسي، وممارسة الجنس مع النوع نفسه؛ وهي تعني حرفيًا “لعبة الغلمان”، ويمكن ترجمتها كذلك إلى “الغلام الألعوبة”. أما في العامية الأفغانية، فهي ترادف أي شكل من أشكال استغلال الأطفال جنسيًا في سبيل التربح، حيث يتسع المصطلح شاملًا: التصوير الإباحي (البورنوجرافيا)، والاستعباد الجنسي (الرقيق الأبيض)، والتجارة الجنسية من خلال بيع الصبية المراهقين إلى رجال أثرياء أو نافذين بغرض الترفيه والممارسات الجنسية.
بعض من هؤلاء الرجال يحتفظون بعدة صبية لديهم علامةً على الثروة والقوة والتباهي بالذات. هؤلاء الصبية لا تتجاوز أعمارهم اثنتي عشرة سنة، ومعظمهم أيتام أو منتمون إلى عائلات فقيرة ومعوزة، ما يدفع الأهل إلى بيع بنيهم أو المتجارة بهم. بعد بلوغ أولئك الصبية سن العشرين أو ولوجهم طور الرجولة، يخمد وهج النشوة في صدور أربابهم، ويُطلق سراحهم.
على الرغم من أن “المثلية” أحد الممارسات المحرمة في الشريعة الإسلامية، إلا أن “البتشابازي” كانت تمارس في أفغانستان وباكستان وتركمانستان منذ القدم سواء تحت مظلة أنظمة مدنية أو دينية، ولا تزال سائدة حتى اليوم في نواحي كثيرة من البلدان الثلاثة خاصة المناطق النائية، حيث يعدها البعض موروثًا ثقافيًا وتقليدًا اجتماعيًا بصرف النظر عن تعارضها مع الدين.
تنتشر هذه الظاهرة في أفغانستان على نطاق واسع، وتتم بالإكراه والتهديد، ولا تزال السلطات الأمنية عاجزة عن منعها أو القضاء عليها، لأن أغلب الرجال المتورطين فيها من أمراء الحرب (المجاهدين) وأصحاب النفوذ في الدولة.
إبان حكومة حركة طالبان الأولى (1994: 2001)، كانت عقوبة البتشابازي هي الإعدام. رغم أن رقص الصبية يُعد جريمةً في القانون الأفغاني، وأمرًا مستهجنًا في الشريعة الإسلامية، إلا أن هذه القوانين نادرًا ما تُطبق على رجالات الدولة، وغالبًا ما تتغاضى الشرطة عن هذا الأمر.
من ناحية أخرى، يعتبر البعض “بتشابازي” نوعًا من أنواع “شاهد بازي” أي “عشق الغلمان”، حيث نطالع نماذج منه في كتب التاريخ والأدب الفارسي قبل الإسلام وبعده.
في أواخر عام 2010، أجرى المراسل الأفغاني “رستم قابل” تحقيقًا حول ظاهرة “البتشابازي” في بلاده، حيث أرجع أسباب انتشارها إلى الفصل القسري بين الجنسين، وتفشي الفقر، وضعف الجهاز الأمني والقضائي، وانعدام القوانين، وذكر أنها تُقام في الأجزاء القديمة من كابل، والأماكن البعيدة الواقعة بأطراف أفغانستان.
استطاع “قابل” حضور حفل بتشابازي شبيهًا بحفل زفاف –على حد قوله– كان مقامًا بأحد الأحياء النائية شمالي البلاد. يجتمع فيه جمع من الرجال؛ بعضهم مسلح والبعض الآخر يتعاطى المواد المخدرة، حيث يرقص أمامهم صبي دون الخامسة عشرة، يرتدي قميصًا نسائيًا، ويغطي وجهه بوشاح أحمر، ويضع تحت ثيابه ثديين صناعيين، ويربط حول كاحليه خلاخيل مجلجلة. بعض الرجال يقدمون له مالًا، يلتقطه بأسنانه.
وفقًا لما يذكره “قابل”، عقب هذا الحفل أو أي تجمع يرقص فيه فتية، يقتادهم الراغبون من الحضور إلى الفنادق أو أماكن خاصة، ويعتدون عليهم.
بعض الأثرياء الأفغان يعتبرون مشاهدة فتية يرقصون بملابس نسائية نوعًا من الهواية أو المتعة الشخصية، مثل مشاهدة مصارعة الكلاب أو الديوك، ويقولون إن وجود صبي أو اثنين لديهم مبعث زهو وفخر، وإن حفلة البتشابازي تقتصر على الرقص فحسب، ولا يحدث بعدها أي اعتداء جنسي، لكن قد يكتفي البعض بملامسة الصبية أو تقبيلهم وعناقهم دون إيلاج.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3570


