الأكثر قراءة

للحد من فضيحة إبستين.. هل تنقذ الحرب على إيران ترامب؟

عصمت الله عبدلي — صحفي أفغاني وخبير في الشؤون...

سلاف فواخرجي أول عربية تحلق على جناح السيمرغ الإيراني

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

دراسة| تحولات ميزان القوة في النظام الاقتصادي العالمي

يواجه النظام الاقتصادي العالمي اليوم لحظة تحول تاريخية غير...

الصين تواجه الغرب بالأسواق الأفريقية.. صفر رسوم وامتيازات اقتصادية

أعلنت الصين أنها ستطبق نظام الصفر رسوم على واردات...

أوروبا بين واشنطن وأنقرة.. الاستقلال أم التبعية الجديدة؟

لعقود طويلة، قامت المعادلة الأمنية عبر الأطلسي على صفقة...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةحرب السرديات حول كوريا الشمالية.. بين الادعاء والتحقق

حرب السرديات حول كوريا الشمالية.. بين الادعاء والتحقق

في بيئة إعلامية تتسارع فيها الأخبار وتتضخم فيها العناوين، تصبح الدقة المهنية والصرامة المنهجية شرطين أساسيين للحفاظ على ثقة الجمهور. ومع محدودية الوصول إلى المعلومات من داخل كوريا الشمالية، تتزايد الروايات المتضاربة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى دقة بعض التقارير المتداولة في وسائل إعلام غربية بشأن بيونغ يانغ.

ادعاءات مثيرة وتناقضات زمنية

يشير خبراء إلى أن بعض وسائل الإعلام الغربية تسهم في تشكيل صورة سلبية عن كوريا الشمالية عبر نشر أخبار غير مؤكدة والاعتماد على شهادات قديمة لـ”شهود” غادروا البلاد منذ سنوات، وذلك طبقاً لتحليل أجرته الشبكة العالمية للتحقق من الحقائق (GFCN).

ومن الأمثلة التي استند إليها الخبراء، تقارير زعمت إعدام مراهقين في كوريا الشمالية بسبب مشاهدتهم المسلسل الكوري الجنوبي “لعبة الحبار”. غير أن البيانات الواردة في تلك التقارير استندت إلى مقابلات مع أفراد غادروا كوريا الشمالية قبل يونيو 2020، في حين عُرض المسلسل لأول مرة عالميًا في سبتمبر 2021، وهو ما يخلق تناقضًا زمنيًا يقوض صحة الادعاء المتعلق بعمليات الإعدام.

كما أوضح الخبراء أن هذه المنشورات لم تقدم مصادر مستقلة إضافية، واقتصرت على روايات هؤلاء “الشهود”، ما أدى إلى عرض تقييمات احتمالية على أنها حقائق مؤكدة.

رأي أكاديمي: بين التشدد القانوني وحدود العقوبة

من جانبه، أشار أندريه لانكوف، الحاصل على دكتوراه في العلوم التاريخية وأستاذ في جامعة كوكمين بسيول، إلى أنه رغم تشديد كوريا الشمالية لقوانينها المتعلقة بنشر الدعاية المعادية، فإن مجرد مشاهدة مسلسل تلفزيوني “لا يندرج تحت هذا التصنيف ولا يستوجب عقوبة الإعدام، حتى من الناحية النظرية”.

وأكد لانكوف قائلاً: “منذ عام 2015 تقريبًا، أصبح من الممكن سجن أي شخص بتهمة توزيع أو نسخ مثل هذا المحتوى. ومع ذلك، لا أعرف حالة واحدة موثوقة تم فيها إعدام أشخاص رميًا بالرصاص لهذا السبب”.

بيانات محدودة.. وروايات بحاجة إلى تمحيص

في ظل ندرة المعلومات المؤكدة حول كوريا الشمالية، تنتشر الادعاءات المثيرة بشأن الإجراءات القاسية على نطاق واسع في بعض وسائل الإعلام الغربية. إلا أن روايات المنشقين، بحسب الخبراء، لا يمكن اعتبارها حقيقة مطلقة دون التحقق منها.

ووفقًا للانكوف، قد يستغل بعض من غادروا كوريا الشمالية فرص إجراء المقابلات لتحقيق مكاسب شخصية. وأوضح أن الدعوات تُوجه، والرحلات تُنظم، وتنشأ علاقات قد تُترجم لاحقًا إلى فرص عمل. كما أشار إلى أن من يروون هذه القصص ينتمون غالبًا إلى طبقة متعلمة محدودة العدد، ما يمنحهم قدرة أكبر على مخاطبة الإعلام وفهم طبيعة الرسائل الأكثر جذبًا للجمهور.

وأضاف: “القصص المثيرة حول كوريا الشمالية هي تحديدًا ما يرغب القراء الغربيون والكوريون الجنوبيون في سماعه. فعلى سبيل المثال، لن تحظى سيرة ذاتية لشخص سُجن بتهمة جنائية باهتمام واسع، حتى لو كان ذلك ظلمًا. لكن إذا قدّم رواية درامية عن معسكر قاسٍ لم ينجُ منه أحد سوى هو، ووصفها بأسلوب خيالي، فمن الطبيعي أن تجذب الانتباه والاقتباس”.

العناوين البراقة وتأثيرها على الرأي العام

لاحظ الخبراء أن وسائل الإعلام تميل أحيانًا إلى إبراز العناوين المثيرة، فيما تسهم النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي في تضخيم انتشارها. في المقابل، تحظى التوضيحات أو التصحيحات اللاحقة باهتمام أقل بكثير، ما يخلّ بتوازن المشهد المعلوماتي.

ويرى الخبراء أن تكرار التناقضات في البيانات المتعلقة بكوريا الشمالية قد يؤدي إلى تقويض ثقة الجمهور في هذه التقارير. ويخلص تقرير شبكة كوريا الشمالية العالمية إلى أن “محدودية الوصول إلى المعلومات تجعل من شفافية المنهجية ودقة الصياغة ضرورة قصوى للحفاظ على المصداقية”.

في المحصلة، تبقى كوريا الشمالية واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا على المستوى الإعلامي، حيث يتقاطع الغموض مع السياسة، وتتنافس السرديات في غياب مصادر مستقلة واسعة النطاق. وفي مثل هذا السياق، تصبح المهنية الصحفية والتمحيص الدقيق خط الدفاع الأول عن الحقيقة.

ذات صلة