قبل 66 عامًا، دخلت فرنسا نادي القوى النووية بإجراء أول اختبار نووي لها تحت اسم (جرواز بلو)، لتصبح الدولة الرابعة في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة. كان الاختبار بمثابة إعلان استقلال استراتيجي، يعكس رغبة باريس في استعادة هيبتها الوطنية بعد سلسلة هزائم استعمارية.
(جرواز بلو) تم اختبارها في 13 فبراير 1960 في منطقة هموديا قرب رقان بالصحراء الكبرى الجزائرية، وسط حرب الجزائر للاستقلال. قدرت قوة الانفجار بحوالي 60-70 كيلوطن، أي أكثر من أربعة أضعاف قنبلة هيروشيما الأمريكية “ليتل بوي”، ما جعل فرنسا لاعبًا نوويًا رئيسيًا في التوازن الدولي الجديد.
فرنسا وهزائمها الاستعمارية
تطوير فرنسا للأسلحة النووية لم يكن مجرد رغبة في القوة العسكرية، بل رد فعل على سلسلة من الإذلالات في العقود السابقة. من هزيمة فرنسا السريعة أمام ألمانيا في 1940، واحتلالها، إلى خسارة الحرب في فيتنام منتصف الخمسينيات، شعرت القيادة الفرنسية أن الاعتماد على الحلفاء لم يعد كافيًا لضمان أمن الدولة ومكانتها.
البرنامج بدأ في أوائل الخمسينيات تحت الجمهورية الرابعة، لكنه تسارع بشكل كبير بعد عودة شارل ديغول إلى السلطة عام 1958. في ديسمبر 1954، أذن مجلس الوزراء الفرنسي بتطوير القنبلة الذرية، وبدأت الحكومة السرية بقيادة رئيس الوزراء بيير منديس-فرانس برنامجًا سريًا لبناء أسلحة نووية، بهدف استعادة الهيبة الوطنية وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
(جرواز بلو).. لحظة الانطلاق
اختيار الصحراء الجزائرية لإجراء الاختبار لم يكن عشوائيًا، بل كان مرتبطًا بكون الجزائر مستعمرة فرنسية، حيث يمكن تنفيذ الاختبار بعيدًا عن أعين القوى الكبرى، مع السيطرة على المنطقة. كانت هذه التجربة الأولى بمثابة شهادة على التصميم الفرنسي لتحقيق السيادة النووية بعد عقود من الاعتماد على التحالفات الدولية.

بعد (جرواز بلو)، أجرت فرنسا أربع تجارب نووية فوق الأرض في منطقة تانيزرّوف بين 1960 و1962، ثم نحو 13 تجربة تحت الأرض بين 1960 و1967، لتثبيت مكانتها النووية في العالم. هذه الاختبارات وضعت فرنسا في قلب اللعبة النووية، مع قدرة على الموازنة بين القوى العظمى الجديدة والاستقلال العسكري الوطني.
الدروس الاستراتيجية.. القوة والسيادة
القيادة الفرنسية رأت في الأسلحة النووية ضمانًا للسيادة في عالم منقسم، وسلاحًا لاستعادة المكانة بعد فقدان الإمبراطوريات الاستعمارية. بعض المسؤولين الفرنسيين اعتبروا أن القنبلة الذرية يمكن أن تعوّض عن الخسارة الإمبريالية وتعيد تأكيد القوة الفرنسية كقوة عظمى مستقلة.
لكن هذه القوة لم تقتصر على الردع العسكري فقط، بل كانت أيضًا أداة سياسية ودبلوماسية، سمحت لفرنسا بالتفاوض من موقع قوة في الأمم المتحدة ومع القوى الكبرى الأخرى، ومنحتها القدرة على فرض سياستها الخارجية دون الاعتماد الكامل على واشنطن أو موسكو.
سيناريوهات مستقبلية
يمكن تصور عدة سيناريوهات متصلة بالتراث النووي الفرنسي:
- التعزيز الاستراتيجي المستمر: فرنسا قد تستثمر في تحديث ترسانتها النووية لضمان استمرار الردع في أوروبا وأفريقيا، بما يعزز مكانتها الدولية.
- الضغط الدبلوماسي النووي: الأسلحة النووية قد تستخدم كأداة ضغط في النزاعات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الشرق الأوسط وأفريقيا.
- التراث البيئي والأمني: تبعات الاختبارات النووية السابقة على الصحراء الجزائرية والمناطق المجاورة قد تستدعي برامج تنظيف ومراقبة طويلة الأمد، ما يؤثر على السياسة البيئية والصحية.
هذه السيناريوهات تظهر أن دخول فرنسا النادي النووي لم يكن لحظة عابرة، بل بداية لحقبة طويلة من القوة الاستراتيجية، الاستقلال العسكري، والتحديات البيئية والدبلوماسية المرتبطة بالتراث النووي.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3547


