لم تكن فنزويلا بالنسبة لبكين مجرد شريك نفطي بعيد جغرافيًا، بل كانت حجر زاوية في استراتيجيتها الكبرى لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية؛ فحتى الثالث من يناير، كانت الصين تتمتع بوصول مباشر، وغير مقيد تقريباً، إلى أكبر احتياطيات النفط المملوكة لفنزويلا في العالم والتي تقدر بنحو 303 مليار برميل.
فمن قلب أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، بنت الصين نفوذًا عميقًا منحها إمدادات مضمونة بشروط تفضيلية، وموطئ قدم استراتيجي في أمريكا اللاتينية، المنطقة التي طالما اعتبرتها واشنطن مجالها الحيوي.
اليوم، ومع التحولات السياسية والجيوسياسية المتسارعة، تبدو بكين وكأنها تتلقى ضربة مركبة: فقدان مصدر طاقة منخفض التكلفة، وتآكل نفوذها في دولة عضو في أوبك، واهتزاز أحد أعمدة مبادرة الحزام والطريق في نصف الكرة الغربي
هزيمة نفطية
مع تولي الولايات المتحدة زمام الأمور خلال الفترة الأخيرة في فنزويلا، فقدت الصين مصدراً مضموناً لإمدادات النفط الرخيصة، ووفقاً لوكالة بلومبيرغ، خفّض تجار النفط الذين عيّنتهم إدارة ترامب الخصم على النفط الخام الفنزويلي المباع للمشترين الصينيين من 15 دولاراً أمريكياً إلى 5 دولارات أمريكية للبرميل.
غير أن بعض التقارير قللت من شأن خسارة الصين، بحجة أن روسيا والشرق الأوسط وحتى أفريقيا موردون أكبر وأكثر أهمية؛ ففي نهاية المطاف، لم تمثل فنزويلا سوى 4 إلى 4.5% من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحراً.
الموقف الصيني
بالنسبة لبكين، فإن الصورة الأوسع مقلقة للغاية، ففي ضربة واحدة، فقدت الصين نفوذها على 17% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية، والتي انتقلت فوراً إلى خصمها الأكبر، وسيكون فقدان مورد حيوي بهذا الحجم عاملاً رئيسياً في أي تخطيط لسيناريوهات الحرب.

وإن محاولات تصوير الصين على أنها تتخلص تدريجياً من اعتمادها على النفط لتصبح عملاقاً في مجال الطاقة المتجددة هي محاولات زائفة، أما بالنسبة للجانب الأمريكي، تعد السيطرة على حقول النفط العملاقة في فنزويلا، إلى جانب قنوات التوزيع وسلاسل الإمداد التابعة لها مكسبًا إضافيًا؛ فهو يمنحهم موقعًا استراتيجيًا ونفسيًا مهيمنًا لخوض حرب طويلة الأمد مع تقليل المخاوف من نقص إمدادات النفط الذي قد يُعيق قدراتهم القتالية أو يُؤثر سلبًا على الاقتصاد المدني. أما
والاستراتيجيون العسكريون الصينيون لا يملكون هذا الترف، فخطوط إمداد الطاقة في بلادهم تُشكّل مصدر قلق دائم، إذ تمتد في معظمها على طول طرق الشحن الدولية المفتوحة والمعرضة للاضطراب.
ويُؤدي فقدان فنزويلا إلى تقليص قدرة الصين على خوض الحرب، وما يهم ترامب الآن هو أن نفط البلاد ومواردها الطبيعية الأخرى باتت تحت سيطرة أمريكا. ومن غير المرجح أن تستعيد الصين النفوذ الذي كانت تتمتع به سابقاً.
هزيمة الموارد الطبيعية
إلى جانب النفط، تخفي جغرافية فنزويلا غير المستكشفة إلى حد كبير وفرةً من الغاز الطبيعي والفحم وخام الحديد والبوكسيت والذهب والنيكل والنحاس والزنك والقصدير والتنغستن والماس والكولتان والمعادن الأرضية النادرة، ويعتقد الجيولوجيون أن مناطق شاسعة تتداخل مع حدود البلاد مع كولومبيا وغيانا تحتوي على رواسب ضخمة من المعادن التي اجتذبت عصابات متناحرة واستثمارات صينية، ومع رحيل مادورو، لم تعد الصين تضمن الوصول إلى هذه الموارد. والأسوأ من ذلك، أنها قد تخسر مليارات الدولارات من الاستثمارات التي تمت من خلال مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها شي جين بينغ.

يُعدّ قوس أورينوكو التعديني في فنزويلا ودرع غيانا المجاور له، بالإضافة إلى مثلث الليثيوم الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، والذي يُقدّر بنحو 60% من احتياطيات العالم من هذا المعدن، من بين أصول القارة التي تحتاجها الولايات المتحدة والصين في سباقهما للسيطرة على الصناعات الحيوية، إلى جانب الفضة والنحاس و تُعدّ العناصر الأرضية النادرة بالغة الأهمية لتطبيقات في قطاعات الدفاع والرعاية الصحية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والاتصالات.
ومن الاحتياطيات إلى الإنتاج والتكرير، تهيمن الصين على سلسلة توريد العناصر الأرضية النادرة بأكملها. ومما أثار استياء بقية العالم، أن بكين استغلت هذه الهيمنة من خلال إصدار مراسيم تمنح الشركات الصينية حق الوصول الحصري إلى هذه المعادن بأسعار أقل.
في المقابل، أطلقت إدارة ترامب حملة عالمية مضادة من خلال مشروع فولت، وفي 4 فبراير، جمعت وزارة الخارجية الأمريكية 54 دولة والمفوضية الأوروبية في مؤتمرها الافتتاحي للمعادن الحيوية؛ ومع رحيل مادورو، فقدت الصين أيضاً إمكانية الاستفادة من هذه القطعة من العقارات الرئيسية بكل مزاياها الجغرافية واللوجستية.
الهزيمة الاستراتيجية
أثارت الشراكة المتنامية بسرعة بين كولومبيا والصين وفنزويلا قلق إدارة ترامب، إذ باتت المنطقة تنجذب أكثر فأكثر نحو النفوذ الصيني. وتكتسب كولومبيا أهمية مماثلة لفنزويلا في سياق التنافس بين القوتين العظميين.
فإلى جانب مواردها الطبيعية الغنية، كانت كولومبيا حتى وقت قريب شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في مجالات الأمن ومكافحة المخدرات والإرهاب في أمريكا اللاتينية.
وفي مايو 2022، صنّفت إدارة بايدن كولومبيا حليفًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو (العضو رقم 86)، إلا أن علاقاتها مع الولايات المتحدة بدأت بالتدهور بعد شهر من انتخاب بيترو رئيسًا. ومن المرجح أن حكومته اليسارية، وهي أول حكومة يسارية في بوليفيا، تمتلك معلومات استخباراتية حول أنشطة الولايات المتحدة في المنطقة، قد تكون ذات قيمة للصين.
بالنسبة للأمريكيين، مثّل تحوّل كولومبيا من حليف إلى خصم محتمل تجاوزًا للخطوط الحمراء عندما بدأت التخطيط لشبكة سكك حديدية وطنية بتكلفة 44 مليار دولار أمريكي بمشاركة صينية واسعة، ويُعدّ هذا المشروع حجر الزاوية، وهو عبارة عن ممر نقل بتكلفة 20 مليار دولار أمريكي لخدمة التجارة البحرية بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، ويُمثّل تحديًا مباشرًا لقناة بنما. وفي خضمّ معركتها لاستعادة السيطرة على القناة من الصين، شعرت إدارة ترامب بالقلق إزاء خطر فتح جبهة ثانية محتملة في كولومبيا.
ومن المقرر أن يشقّ الممر المقترح، الذي يبلغ طوله 198 كيلومترًا، غابات دارين الكثيفة ليربط مدينة توربو الساحلية على ساحل كولومبيا الأطلسي بمدينة كوبيكا المطلة على المحيط الهادئ.
وبفضل مواردها المالية الضخمة وخبرتها الهندسية الواسعة، تُعدّ الصين نظرياً الشريك الأمثل لمشروع كولومبيا الأضخم لبناء الدولة في تاريخها الممتد على مدى 207 أعوام. وقد شكّل نجاح ميناء شانكاي في بيرو، المدعوم من الصين، منذ عام 2024، معياراً للمنطقة للتوجه شرقاً.
تليها كوبا، التي باتت أقرب من أي وقت مضى إلى الانهيار الاجتماعي في ظل غياب إمدادات النفط الفنزويلي المجانية. ولا يحتاج ترامب إلى التهديد بعمل عسكري، فالكوبيون الجائعون يطالبون بتغيير النظام.
حتى بيرو، التي كانت منتشية بنجاحها الصيني الأخير، قامت بانقلاب مفاجئ ضد بكين، في حين أن النظام المتشدد المناهض للولايات المتحدة في نيكاراغوا ربما يعيد النظر في اعتماده على الصين.
بالنسبة لشي جين بينغ، كان يناير 2026 بداية هزيمة حاسمة لاستراتيجيته، هزيمة قد تجد الصين صعوبة في التعافي منها. وكانت تلك الهزيمة ستثير جدلاً واسعاً داخل بكين، فقد تكون فنزويلا بمثابة واترلو الصين في أمريكا اللاتينية، بل ربما ساهمت في الزلزال السياسي الذي يهز أروقة السلطة في بكين.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3586


