الأكثر قراءة

للحد من فضيحة إبستين.. هل تنقذ الحرب على إيران ترامب؟

عصمت الله عبدلي — صحفي أفغاني وخبير في الشؤون...

سلاف فواخرجي أول عربية تحلق على جناح السيمرغ الإيراني

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

دراسة| تحولات ميزان القوة في النظام الاقتصادي العالمي

يواجه النظام الاقتصادي العالمي اليوم لحظة تحول تاريخية غير...

الصين تواجه الغرب بالأسواق الأفريقية.. صفر رسوم وامتيازات اقتصادية

أعلنت الصين أنها ستطبق نظام الصفر رسوم على واردات...

أوروبا بين واشنطن وأنقرة.. الاستقلال أم التبعية الجديدة؟

لعقود طويلة، قامت المعادلة الأمنية عبر الأطلسي على صفقة...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

اقتصادمشروع الطريق.. جسر أمريكي يربط أرمينيا وأذربيجان 

مشروع الطريق.. جسر أمريكي يربط أرمينيا وأذربيجان 

تعتبر زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أرمينيا وأذربيجان في فبراير 2026 خطوة بارزة في السياسة الأمريكية تجاه القوقاز الجنوبي، إذ تمثل أعلى مستوى من الزيارات الأمريكية منذ زيارة نائب الرئيس جو بايدن لجورجيا عام 2009. هذه الزيارة لا تقتصر على الطابع البروتوكولي، بل تشير إلى إعادة انخراط نشط لواشنطن في ملف تطبيع العلاقات بين يريفان وباكو، في ظل صراعات تاريخية وطموحات اقتصادية واستراتيجية كبيرة في المنطقة.

شملت الزيارة توقيع مجموعة من الاتفاقيات والمذكرات، أبرزها تقديم أنظمة دفاعية حديثة لأرمينيا، وإطلاق مرحلة ثانية من مشروع الحوسبة الفائقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإبرام اتفاقيات تعاون نووي سلمي. وفي الوقت نفسه، تم التوصل إلى اتفاقية شراكة استراتيجية مع أذربيجان تشمل البنية التحتية، الاستثمار الاقتصادي، وقضايا الأمن والدفاع، ما يعكس توجه الإدارة الأمريكية لتعزيز النفوذ عبر مسارات اقتصادية واستراتيجية حيوية.

أعلى مستوى زيارة أمريكية منذ 2009

زيارة نائب الرئيس جيه دي فانس تمثل تأكيدًا أمريكيًا على عدم تجاهل يريفان وباكو، وإشارة إلى أن واشنطن تأخذ دورًا نشطًا في دعم عملية تطبيع العلاقات بين الدولتين. جاءت الزيارة بعد ستة أشهر من قمة تاريخية استضافها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في أغسطس 2025، والتي أسفرت عن توقيع مذكرات تفاهم أمريكية مع وفود أرمينيا وأذربيجان، ومهّد الطريق لمشروع (TRIPP).

من منظور واشنطن، يمثل مشروع (TRIPP) الطريق ترامب للسلام والازدهار الدولي) جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى خلق شبكة اقتصادية مترابطة في القوقاز الجنوبي، تربط آسيا الوسطى بتركيا وأوروبا، مع تجنب الأراضي الروسية والإيرانية. هذا المشروع يعكس الاهتمام الأمريكي بإقامة ممر اقتصادي واستراتيجي حيوي في قلب القوقاز، بما يعزز النفوذ السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة في المنطقة.

تعزيز القدرات الدفاعية والتكنولوجية لأرمينيا

أحد أبرز نتائج زيارة نائب الرئيس كان تسليم أرمينيا أول دفعة من الأنظمة الدفاعية الأمريكية بقيمة 11 مليون دولار، بما في ذلك طائرات استطلاع بدون طيار من نوع V-BAT لشركة شيلد أيه آي. هذه الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا في قدرة يريفان على تحديث منظوماتها الدفاعية وتعزيز رادعيتها العسكرية، بعد عقود من الاعتماد على المعدات السوفيتية القديمة.

إلى جانب ذلك، تم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من مشروع الحوسبة الفائقة بقيادة شركة فايربيرد الأمريكية، بعد تأمين ترخيص بيع وتسليم 41 ألف وحدة معالجة رسومية إنفيديا GB300. هذا المشروع يعكس الاستراتيجية الأمريكية لتعزيز القدرات الرقمية والتكنولوجية لأرمينيا، وربطها بمراكز الابتكار الأمريكية، ما يعزز الاندماج الاقتصادي والتقني للمنطقة.

التعاون النووي والسلامة الطاقية

شهدت الزيارة توقيع بيان مشترك حول إتمام مفاوضات اتفاقية 123 للتعاون النووي السلمي، التي تتيح إطارًا قانونيًا للتعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة وأرمينيا. تأتي هذه الخطوة ضمن جهود واشنطن لتقديم حلول بديلة للمفاعلات النووية السوفيتية القديمة في يريفان باستخدام مفاعلات صغيرة معيارية، ما قد يترتب عليه استثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار في البداية، إضافة إلى 4 مليارات دولار على المدى الطويل في الوقود والصيانة.

يمثل هذا التعاون النووي رافعة لتعزيز ثقة أرمينيا بالولايات المتحدة كشريك استراتيجي طويل الأمد، ويؤكد أن السياسة الأمريكية تشمل تطوير بنية تحتية استراتيجية ذات أثر اقتصادي وتقني ملموس، وليس مجرد دعم سياسي رمزي.

الشراكة الأمريكية الأذربيجانية

في أذربيجان، وقع نائب الرئيس جيه دي فانس والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ميثاق الشراكة الاستراتيجية، الذي يغطي الأمن البحري، الاستثمار الاقتصادي، والتعاون الدفاعي. في تصريحاته، أشار نائب الرئيس إلى أن الولايات المتحدة تخطط لشحن قوارب جديدة لحماية المياه الإقليمية لأذربيجان، مما يعكس اهتمام واشنطن بتمكين باكو من حماية حدودها البحرية مع تعزيز التعاون العسكري.

تمثل هذه الاتفاقيات تكملة للقاء القمة الذي استضافه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في أغسطس 2025، والذي أسس مذكرات تفاهم لتسهيل التجارة والطاقة، ومهد الطريق لمشروع TRIPP لتطوير ممر اقتصادي استراتيجي عبر جنوب أرمينيا.

مشروع TRIPP.. الطريق الأمريكي للسلام والتنمية

يعد مشروع TRIPP خطًا استراتيجيًا أمريكيًا يربط آسيا الوسطى بتركيا وأوروبا، مع تجاوز الأراضي الروسية والإيرانية، ما يتيح للولايات المتحدة سيطرة نسبية على ممر تجاري وطاقة حيوي. الاتفاقية الأساسية للمشروع تحدد شراكة لمدة 49 سنة، مع حصة 74% للولايات المتحدة و26% لأرمينيا، وتتضمن تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة والاتصالات.

بدأت الدراسات على الأرض، بما في ذلك زيارة فريق شركة أيكوم الأمريكية للهندسة والاستشارات لأرمينيا، لتعزيز النمو الاقتصادي طويل الأمد وربط المنطقة بشبكة اقتصادية إقليمية مستقرة. هذه الخطوة تعكس إدراك واشنطن لأهمية الدمج الاقتصادي كوسيلة لتحقيق الاستقرار السياسي في منطقة كانت تعاني من صراعات مستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

سيناريوهات السلام والاستقرار الإقليمي

منذ إعلان المشروع، انخفضت المخاطر الأمنية بين أرمينيا وأذربيجان، حيث بدأت عمليات شحن رمزية عبر جورجيا، ما يمثل اختبارًا للتعاون اللوجستي والتجاري المستقبلي. إعادة فتح الحدود مع تركيا قد يمثل قفزة كبيرة في تعزيز الترابط الإقليمي وتوسيع الفوائد الاقتصادية والسياسية للسلام.

إعادة دمج جورجيا ضمن هذا الإطار الاقتصادي يعد حاسمًا لنجاح الاستراتيجية الأمريكية في القوقاز، خصوصًا بعد زيارة وفد جورجي إلى واشنطن والتعاون الثلاثي بين وزراء خارجية أرمينيا وأذربيجان وجورجيا في العام الماضي. هذا النهج يعكس سياسة أمريكية متسقة تركز على الدمج الاقتصادي والاستقرار السياسي عبر تحفيز المصالح المشتركة.

إدارة المخاطر الكبرى

تظل هناك تحديات خارجية رئيسية يجب التعامل معها بحذر، أبرزها المصالح الروسية والإيرانية في المنطقة، والتحديات المتعلقة بتنفيذ مشروع TRIPP. على الرغم من المخاوف من أن واشنطن قد “تمنح” موسكو نفوذًا في المنطقة، يظهر الواقع أن الولايات المتحدة تحاول الموازنة بين احترام خطوط الأمن الاستراتيجية للقوى الكبرى وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.

النجاح في هذا المسعى يعتمد على الدبلوماسية الدقيقة والحس السياسي المتوازن، وهي مهارات غير مألوفة أحيانًا للجيل الجديد من النخب الأمريكية بعد الحرب الباردة. زيارة نائب الرئيس تعكس التزام الإدارة الأمريكية بوجود طويل الأمد في القوقاز مع تجنب الانزلاق نحو تصعيد الصراعات التقليدية أو الانخراط العسكري المباشر.

زيارة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أرمينيا وأذربيجان تمثل خطوة استراتيجية أمريكية محورية لإعادة تشكيل الاستقرار في القوقاز الجنوبي عبر مسارات اقتصادية، تكنولوجية، ودفاعية. من خلال مشروع TRIPP، تعزيز القدرات الدفاعية، والتعاون النووي السلمي، تسعى واشنطن إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية مستدامة.

تظل الفرضية الأساسية واضحة: السلام والاستقرار في القوقاز لن يتحقق إلا من خلال الدمج الاقتصادي، التعاون التكنولوجي، والموازنة الدقيقة بين مصالح القوى الكبرى. نجاح هذه السياسة يعتمد على القدرة الأمريكية على إدارة المخاطر، بناء الثقة الإقليمية، وتحويل الاتفاقيات المبدئية إلى شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

 

 

ذات صلة