الأكثر قراءة

من طهران إلى نيويورك.. لقاءات سرية بين إبستين وأحمدي نجاد

د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في...

مفاوضات تحت فوهة السلاح.. النووي الإيراني بين التسوية والانفجار الإقليمي

قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إن واشنطن أجرت "محادثات...

من التحالف إلى الصدام.. وزير خارجية إثيوبيا يفضح آبي أحمد ويتهمه بـ”الكذب”

 الباحثة في الشأن الأفريقي شيرين هلالظهر رئيس الوزراء الإثيوبي...

إيران.. توقعات وتأملات مستقبلية

د. سيد أحمد فؤاد أكاديمي وباحث في الشأن الإيرانيبناءً على...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةمفاوضات تحت فوهة السلاح.. النووي الإيراني بين التسوية والانفجار الإقليمي

مفاوضات تحت فوهة السلاح.. النووي الإيراني بين التسوية والانفجار الإقليمي

قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إن واشنطن أجرت “محادثات جيدة للغاية” بشأن إيران، وذلك بعد حوار غير مباشر بين الجانبين في سلطنة عُمان.

وأضاف ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة إير فورس ون، المتجهة إلى منتجعه مار إيه لاغو، في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع: “أجرينا أيضاً محادثات جيّدة للغاية بشأن إيران، ويبدو أن إيران ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق”.

وتابع: “سنلتقي مجدّداً مطلع الأسبوع المقبل”، وقال إن “هناك وقتاً كافياً لإبرام صفقة مع إيران”؛ بينما ترسو في الوقت نفسه حاملات طائرات وسفن حربية أميركية قبالة سواحل الشرق الأوسط.

هذا التناقض الظاهري ليس جديدًا في إدارة ترامب، لكنه يكتسب اليوم دلالة أخطر في ظل بيئة إقليمية مشتعلة، وذاكرة قريبة لمواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وإيران، وضربات أميركية استهدفت منشآت نووية حساسة.

الملف النووي الإيراني يعود مجددًا إلى واجهة الصراع الدولي، لا كقضية تقنية تتعلق بالتخصيب ومستويات اليورانيوم فحسب، بل كساحة اختبار لإرادات سياسية متصادمة، وحدود الردع، وقدرة الوسطاء الإقليميين على منع الانزلاق نحو حرب شاملة.

استراتيجية ترامب بين الضغط والتفاوض

يعتمد ترامب مقاربة مزدوجة تقوم على تعظيم الضغط العسكري بالتوازي مع فتح باب التفاوض. إرسال «أرمادا» بحرية إلى المنطقة، والتلويح بخيارات عسكرية مفتوحة، يهدفان إلى دفع طهران إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف نسبي. في المقابل، يحرص الرئيس الأميركي على إبقاء خطاب التفاوض حيًا، مؤكدًا أن واشنطن لا تسعى إلى حرب، بل إلى اتفاق «من دون سلاح نووي».

هذه الاستراتيجية تنسجم مع نمط ترامب التفاوضي القائم على رفع سقف التهديد، ثم عرض مخرج دبلوماسي بشروط أميركية صارمة. إلا أن فعاليتها تبقى مرهونة بقدرة الولايات المتحدة على إقناع إيران بأن البديل عن التفاوض سيكون أكثر كلفة من تقديم تنازلات مؤلمة.

الحسابات الإيرانية وحدود المرونة

من جانبها، تدخل طهران أي مسار تفاوضي وهي مثقلة بضغوط داخلية وخارجية. فاقتصاديًا، لا تزال العقوبات تخنق قطاعات حيوية، بينما سياسيًا، تسعى القيادة الإيرانية إلى تجنب حرب مباشرة قد تهدد استقرار النظام. ومع ذلك، ترفض إيران التفاوض من موقع الإملاء، وتصر على «تكافؤ» في العملية التفاوضية.

موقف طهران الرافض لإدراج برنامجها الصاروخي أو قدراتها الدفاعية ضمن المفاوضات يعكس إدراكًا بأن هذه الأوراق تمثل جوهر الردع الإيراني. كما أن رفضها وقف التخصيب كليًا يستند إلى قراءة قانونية لمعاهدة حظر الانتشار، لكنه يحمل في طياته رسالة سياسية مفادها أن إيران لن تتخلى عن أدوات قوتها الاستراتيجية بسهولة.

دور الوسطاء الإقليميين

تلعب دول إقليمية، مثل قطر وتركيا وسلطنة عُمان والإمارات، دورًا محوريًا في محاولة خفض التصعيد. هذه الدول تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة ستنعكس مباشرة على أمنها واقتصاداتها، خصوصًا في ما يتعلق بإمدادات الطاقة والملاحة البحرية.

التحركات الدبلوماسية المكثفة، واللقاءات مع مسؤولين إيرانيين وأميركيين، تعكس سعيًا لخلق مسارات تواصل غير مباشرة، تسمح للطرفين بحفظ ماء الوجه، وتجنب قرارات متسرعة قد تخرج عن السيطرة.

إسرائيل والبعد العسكري غير المعلن

لا يمكن فصل الموقف الأميركي عن الحسابات الإسرائيلية. فإسرائيل ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، وقد أظهرت استعدادها للتحرك عسكريًا، كما حدث في الضربات التي استهدفت منشآت إيرانية خلال المواجهة الأخيرة. هذا العامل يضغط على واشنطن لتشديد موقفها، حتى لا تبدو متساهلة أمام حليفها الاستراتيجي.

إيران

في المقابل، تخشى الإدارة الأميركية من أن يؤدي أي عمل عسكري إسرائيلي منفرد إلى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب أوسع، ما يجعل التفاوض خيارًا أقل كلفة، ولو مؤقتًا.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: في هذا السيناريو، يتوصل الطرفان إلى تفاهم جزئي يركز على تجميد مستويات التخصيب المرتفعة، وتعزيز الرقابة الدولية، مقابل تخفيف محدود للعقوبات. هذا المسار يمنح ترامب إنجازًا سياسيًا، ويمنح إيران متنفسًا اقتصاديًا دون المساس بجوهر برنامجها.

السيناريو الثاني: هنا، تستمر المفاوضات دون اختراق حقيقي، بالتوازي مع بقاء الحشد العسكري الأميركي. هذا السيناريو يطيل أمد التوتر، ويُبقي المنطقة على حافة الانفجار، لكنه يسمح لجميع الأطراف بتجنب قرار الحرب المباشر.

السيناريو الثالث: في حال فشل المسار الدبلوماسي، أو وقوع حادث أمني كبير، قد تنزلق الأمور نحو مواجهة عسكرية محدودة أو واسعة. هذا السيناريو يحمل مخاطر جسيمة، من تعطيل الملاحة في الخليج، إلى استهداف منشآت الطاقة، وتوسّع رقعة الصراع إقليميًا.

تصريحات ترامب عن «تفاوض جدي» مع إيران لا تعني بالضرورة اقتراب الحل، بقدر ما تعكس لحظة دقيقة تتقاطع فيها حسابات الردع والدبلوماسية. الملف النووي الإيراني بات مرآة لصراع أوسع على النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تُستخدم البوارج وطاولات التفاوض معًا كأدوات ضغط. وبينما تبقى فرص التسوية قائمة، فإن هامش الخطأ يظل ضيقًا، وأي سوء تقدير قد يحوّل التهديدات المتبادلة إلى واقع عسكري يصعب احتواؤه.

 

ذات صلة