الأكثر قراءة

من طهران إلى نيويورك.. لقاءات سرية بين إبستين وأحمدي نجاد

د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في...

مفاوضات تحت فوهة السلاح.. النووي الإيراني بين التسوية والانفجار الإقليمي

قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إن واشنطن أجرت "محادثات...

من التحالف إلى الصدام.. وزير خارجية إثيوبيا يفضح آبي أحمد ويتهمه بـ”الكذب”

 الباحثة في الشأن الأفريقي شيرين هلالظهر رئيس الوزراء الإثيوبي...

من التعدين إلى الطاقة النووية.. روسيا وإعادة تشكيل التحالفات الإفريقية

تشهد القارة الإفريقية تحولات استراتيجية متسارعة في مجالات الطاقة...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةمن التحالف إلى الصدام.. وزير خارجية إثيوبيا يفضح آبي أحمد ويتهمه بـ"الكذب"

من التحالف إلى الصدام.. وزير خارجية إثيوبيا يفضح آبي أحمد ويتهمه بـ”الكذب”

 الباحثة في الشأن الأفريقي شيرين هلال

ظهر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جلسة عاصفة بالبرلمان يوم 3 فبراير 2026 . أدلى بتصريحات شديدة الخطورة، تخللها الكثير من الجدل والأكاذيب. كانت ردود الفعل داخل القاعة وخارجها مدوية، نظرا لأن رئيس الوزراء الإثيوبي أثبت أنه من أخطر إخفاقات القيادات في تاريخ إثيوبيا الحديث. لكونه بلا ضابط، ينشر أكاذيب كبيرة وخطيرة دون أدنى اكتراث بعواقبها السياسية والإجتناعية والتاريخية؛ أكاذيب تهدد السلام والاستقرار في إثيوبيا والمنطقة بأسرها.

الأدلة على شخصيته المضطربة والمدمرة ليست مجرد روايات عابرة، بل هي كثيرة وموثقة جيدًا. منها على سبيل المثال الرسالة المفتوحة التي وجهها “غيدو أندرغاتشو” وزير الخارجية الأسبق المقيم حاليًا في منفاه بالولايات المتحدة(تولى وزارة الخارجية من (إبريل 2019- 4 نوفمبر 2020) ، ردا على إشارة آبي أحمد إليه أمام البرلمان وبثها عبر الإعلام الرسمي. تلك الرسالة ليست مجرد دفاع، بل لائحة اتهام واضحة وقوية ونصها:

إلى: سعادة رئيس الوزراء آبي أحمد
من: غيدو أندرغاتشو
الموضوع: بشأن التصريحات التي أدلى بها في البرلمان والتي أشار فيها إلى اسمي

سعادة الرئيس،

في 3 فبراير 2026، خلال الخطاب الذي ألقيته أمام البرلمان، تحدثت عن أسباب الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا، وفي ذلك السياق ذكرت اسمي كشاهد. علمت بهذا من خلال مقطع فيديو تم تسجيله ومشاركته معي.

كما أشرت أنت نفسك في ذلك الخطاب، يجب توثيق مثل هذه الأمور بشكل صحيح للسجل التاريخي. لهذا السبب، وبدون إضافة أو حذف من الحقائق، فإن تصريحاتك تلزمني، ضميرياً، بتوضيح الحقيقة كما أعرفها.

1. من جانبي، لم يكن لدي أي نية لتقديم تعليق عام حول المسائل المتعلقة بعلاقات إريتريا-إثيوبيا. أعتقد أن التاريخ بين هذين البلدين الشقيقين قد تميز بالمرارة العميقة، وبالتالي يتطلب عناية ومسؤولية استثنائيتين. لهذا السبب، قررت الصمت عما أعرفه.

منذ بداية الحرب في تيغراي حتى توقفها باتفاق بريتوريا، لم يكن هناك تقريباً لحظة لم يكن فيها الجيش الإريتري يقاتل إلى جانب قوات الدفاع الوطني الإثيوبية. علاوة على ذلك، عندما تقدمت قوات التيغراي إلى منطقة أمهرا في صيف 2021، عمل الجيش الإريتري حتى محيط ديبري تابور.

توقفت العمليات العسكرية المشتركة بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبية والجيش الإريتري فقط بعد إعلان وقف إطلاق النار بموجب اتفاق بريتوريا. حتى ذلك الحين، كانا يعملان فعلياً كقوة واحدة. إذا كان هناك أي تمييز، فهو أنه خلال فترة الهدوء بعد المرحلة الثانية من الحرب، بعد انسحاب قوات التيغراي من منطقة أمهرا، لم يتم تضمين قادة إريتريين في الترقيات العالية التي حصل عليها القادة الإثيوبيون.

2. بعد مثل هذا الدمار الواسع، كنت أتوقع أن تطلب الغفران من شعب تيغراي وشعب إثيوبيا. بدلاً من ذلك، عندما لاحظت تقديم القضية بطريقة مشوهة، اخترت الرد فقط على النقطة المحددة التي أثرتها.

كان الدمار الذي لحق خلال حرب تيغراي من قبل جميع الأطراف المعنية شديداً لدرجة أنه ترك شعب تيغراي يكافح من أجل البقاء. محاولة تبرئة النفس بتحميل المسؤولية حصرياً على طرف واحد لا تزيل المساءلة القانونية أو السياسية أو الأخلاقية. بل على العكس، إنها تمنع البلاد من تعلم الدروس اللازمة لتجنب مآسي مشابهة في المستقبل.

في الحقيقة، خلال تلك الحرب، لم يكن لشعب تيغراي حكومة أو قوة سياسية تقف إلى جانبهم بثبات. الدعم المحدود الذي تلقوه جاء من عدد قليل من الشخصيات السياسية الإثيوبية، والمنظمات الدولية، وبعض الحكومات الأجنبية. هذا وصف غير مريح لكنه دقيق لتاريخنا الوطني الحديث.

3. لو سعيت إلى إصلاح علاقتك المتضررة بشدة مع شعب تيغراي، لكنت من بين أولئك الذين يرحبون بمثل هذا الجهد. بدلاً من ذلك، لم تظهر أي علامة على الندم على الأخطاء السابقة، وحاولت صرف المسؤولية عن الخسائر الهائلة في الأرواح، وتدمير الممتلكات، والتفتت الاجتماعي، والأزمة الوجودية للبلاد من خلال تحميل اللوم على الآخرين.

هذا أثار قلقي بعمق. يبدو أنك تحاول صنع أزمة جديدة في وقت تعاني فيه البلاد بالفعل من عدم الاستقرار. بينما أنت وإدارتك تتحملان المسؤولية الأساسية عن الكوارث التي عانى منها شعبنا، إلا أنك دائماً تنسب هذه الإخفاقات إلى مؤامرات خارجية.

حرب تيغراي، والفظائع التي ترتكب ضد شعب أمهرا، والحرب الطويلة في أوروميا، والعنف في بني شنقول، والصراع الأخير في غامبيلا، وعدد كبير من الأزمات الأخرى عبر البلاد، في رأيي، هي في الأساس نتيجة لحكمك الضعيف والاعتقاد الخاطئ بأن البقاء السياسي يتطلب صراعاً دائماً.

4. مع هذا السياق في الاعتبار، أتناول الآن الادعاء المحدد الذي أدليت به في البرلمان بشأن دوري المزعوم كمبعوثك إلى إريتريا.

ادعاؤك بأنني كنت أشغل منصب وزير الخارجية بعد اندلاع الحرب في تيغراي، وأنني أرسلت إلى إريتريا كرسولك بشأن الجرائم المرتكبة ضد شعب تيغراي، هو كذب كامل. إنه اختلاق تام. لقد استقالت من منصبي كوزير للخارجية في غضون أيام من اندلاع الحرب، وهو أمر لا يمكن أن تكون قد نسيته.

ما لم يكن هذا التحريف مقصوداً لصنع تبرير لأذى مستقبلي للبلاد وشعبها، فإن فترة توليي منصب وزير الخارجية ورحلتي اللاحقة إلى إريتريا غير مرتبطتين تماماً.

5. كما دعتي إلى أن أكون شاهداً لدعم ادعائك بأنك أرسلتني إلى إريتريا برسالة تقول: “لا تؤذوا شعبي”، في إشارة إلى معاناة المدنيين في تيغراي. في هذه المسألة أيضاً، ارتكبت خطأً جسيماً.

لأن الحقيقة كما أعرفها مختلفة جوهرياً، لا يمكنني أن أكون شاهداً موثوقاً لهذا الادعاء. إذا كنت تبحث عن شاهد يشهد بما يناقض الحقائق، فسيتعين عليك البحث في مكان آخر.

لو تحدثت بصدق عن موقفك الحقيقي تجاه شعب تيغراي، لكان مختلفاً تماماً عما أعلنته علناً. إحدى القضايا التي أغضبتك أكثر خلال الحرب كانت مجرد رفع مخاوف بشأن الانتهاكات المرتكبة ضد شعب تيغراي.

أتذكر، من تجربتي الخاصة، اجتماعاً للجنة التنفيذية عقد للاحتفال بما وصف بهزيمة جبهة تحرير شعب تيغراي في غضون ثلاثة أسابيع والسيطرة على ميكيلي. تم تقديم تقييم يفيد بأن شعب تيغراي بقي محايداً إلى حد كبير، معتبراً كلاً من الهجوم على القيادة الشمالية والرد العسكري مشكلتين متساويتين.

بناءً على هذا التقييم، حذرت من أنه يجب بذل جهود لتهدئة السكان، منع الفوضى، كبح انتصار القوات من إساءة معاملة المدنيين، إقامة إدارة مدنية بسرعة، والسماح للمنطقة بالحكم من قبل شعبها. وإلا، حذرت، فإن سوء المعاملة سيُعيد إحياء الدعم لجبهة تحرير شعب تيغراي.

رغم أنك بدوت تقبل هذا الرأي خلال الاجتماع، إلا أنك استدعيتني لاحقاً على انفراد وعبرت عن منظور مختلف تماماً. قلت:

“غيدو، لا تعتقد أن التيغرايين يمكنهم التعافي من هذه الهزيمة ونهوض مرة أخرى. لقد سحقناهم حتى لا ينهضوا. الناس يستمرون في القول ‘شعب تيغراي، شعب تيغراي’. من هو شعب تيغراي فوق؟ لقد كسرناهم حتى لا ينهضوا مرة أخرى. سنكسرهم أكثر. تيغراي التي عرفناها سابقاً لن تعود أبداً.”

لاحقاً، عندما زاد الضغط الدولي للتفاوض مع قوات التيغراي، أعلنت علناً أن الاستراتيجية هي جعل تيغراي غير فعالة تدريجياً. في رأيي، يعكس هذا بدقة موقفك الحقيقي تجاه شعب تيغراي.

6. العنصر الوحيد في تصريحاتك البرلمانية الذي يحتوي على جزء من الحقيقة يتعلق برحلتي إلى إريتريا. رغم أنني لا أتذكر التاريخ الدقيق، إلا أنه في أوائل يناير 2021 أرسلتني، برفقة مسؤول في وزارة الخارجية، لتوصيل رسالة إلى الرئيس إسياس أفورقي. وصلت إلى أسمرة في اليوم التالي وعدت بعد فترة قصيرة.

تكونت الرسالة من ثلاث نقاط:

1. نقل التهاني للرئيس إسياس على النجاح المشترك للعملية العسكرية المنسقة ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.
2. التعبير عن الامتنان للحكومة والشعب الإريتري لاستقبال أعضاء القيادة الشمالية وتقديم الدعم الذي مكّنهم من التعافي والهجوم المضاد.
3. التحذير من أن مؤيدي جبهة تحرير شعب تيغراي والجهات الأجنبية المعارضة لعلاقات إريتريا-إثيوبيا يقومون بحملة واسعة النطاق تتهم كلا الجانبين بانتهاكات حقوق الإنسان، مما قد يعرضنا لمساءلة خطيرة، ويجب أن نبقى يقظين ونتخذ إجراءات منسقة.

بعد تلقي هذه التعليمات، طرحت سؤالاً واحداً: نظراً لأننا أعلنا علناً انتهاء الحرب وكانت المجتمع الدولي يطالب بانسحاب القوات الإريترية من إثيوبيا/تيغراي، فلماذا لا نطلب رسمياً مثل هذا الانسحاب؟

أمرتني صراحة بعدم طرح هذه القضية تحت أي ظرف. امتثلت وحملت المهمة. لم يتم نقل أي رسالة على الإطلاق بشأن معاناة شعب تيغراي. في ذلك الوقت، كان اهتمامك الوحيد هو العواقب المحتملة لاتهامات حقوق الإنسان، وليس معاناة المدنيين على الإطلاق .

عند الوصول إلى أسمرة، التقينا بالرئيس إسياس وسلمته الرسالة. لم يكن هناك خلاف بشأن محتواها. عندما تم طرح قضية اتهامات حقوق الإنسان، رد الرئيس إسياس بأن على الجانبين توخي الحذر وإصدار تعليمات مناسبة، مضيفاً أن هناك عملاً إضافياً يجب القيام به بناءً على اتفاقه السابق معك.

ليس لدي معرفة بتفاصيل أي اتفاق كهذا. بعد انتهاء المناقشة، عدنا إلى أديس أبابا. في اليوم التالي، اتصلت وأبلغتك بأن الاجتماع كان إيجابياً وأن الرئيس إسياس أكد على الحذر بشأن اتهامات حقوق الإنسان. وانتهى تبادلنا هناك.

هذه هي الحقيقة كما أعرفها.

باحترام،
غيدو أندرغاتشو

يتضح من خطاب وزير الخارجية الأسبق عدة نقاط هامة لابد من تحليلها:

بناءً على الخطاب المذكور، قام الوزير السابق غيدو أندرغاتشو بإصدار رسالة علنية مفتوحة تنتقد آبي بشدة وتكذب ادعاءاته الواردة في خطابه أمام البرلمان. هذا الخطاب يُعتبر تحدياً سياسياً مباشراً، حيث يقوم غيدو بنفى تصريحات آبي أحمد بشكل قاطع التي ادعى فيها بأنه أرسله كمبعوث إلى إريتريا للطلب من الرئيس إسياس أفورقي عدم إيذاء شعب تيغراي، ووصف ذلك بأنه “اختلاق تام” و”كذب كامل”. بدلاً من ذلك، كشف أن الرسالة الحقيقية كانت تتضمن تهاني على “النجاح المشترك” في الحرب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي. وشكراً لدعم إريتريا، وتحذيراً من اتهامات حقوق الإنسان دون أي ذكر لمعاناة المدنيين.

اتهم غيدو آبي بضعف الإدارة، وتحميل المسؤولية عن الكوارث الوطنية مثل الحرب في تيغراي، والفظائع ضد الأمهرا، والصراعات في أوروميا وبني شنقول وغامبيلا على “مؤامرات خارجية” بدلاً من الاعتراف بأخطائه. كما وصف موقف آبي الحقيقي تجاه شعب تيغراي بأنه قمعي، مقتبساً كلمات آبي الخاصة: “لقد سحقناهم حتى لا ينهضوا… سنكسرهم أكثر”، مما يشير إلى استراتيجية تدميرية متعمدة ونزعة ثأرية إثنية معهودة في القيادات الإثيوبية بلا إستثناء.

أكد غيدو أنه كان ينوي الصمت لتجنب إثارة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، لكنه اضطر للرد لتوثيق الحقائق، محذراً من أن محاولات آبي لصنع أزمات جديدة ستعمق عدم الاستقرار. هذا يُقدم غيدو كشاهد تاريخي يرفض أن يكون “شاهداً مزيفاً” لرواية آبي،بالرغم من مسؤوليته عن الدم والعمل تحت إمرة هذه القيادة.

 

إثيوبيا

هذا الانكشاف يأتي في سياق تاريخي أوسع، حيث كان غيدو حليفاً سابقاً لآبي (كرئيس سابق لمنطقة أمهرا، ووزير خارجية، ومستشار أمني وطني حتى يونيو 2022)، لكنه أصبح ناقداً بعد إقالته واعتقاله القصير في 2023، مما دفعته لطلب اللجوء السياسي في الولايات المتحدة. هذا التحدي العلني يعزز موقف غيدو كمعارض في المنفى، وقد يساهم في تعميق الصدع داخل التحالفات السياسية السابقة لآبي التي هى الان في حالة استنفار كامل ضده، وتتأهب للتحرك في حالة وجود دعم سياسي كافي.

جوهر الأمر أن إثيوبيا اليوم تُدار بقبضة حديدية من شخص يفتقر إلى أبسط الصفات التي تحتاجها البلاد في قائدها: القيم الإنسانية، النزاهة، الولاء، ضبط النفس الأخلاقي، والحكم الرشيد. غياب هذه الصفات في قمة السلطة أدى إلى كارثة شاملة. طبيعة قيادة آبي أحمد المعيبة والمفتقرة للضمير ليست أمرًا عرضيًا، بل هي قلب المأساة الإثيوبية الراهنة. هي السبب الرئيسي وراء الحروب الأهلية في أكثر من منطقة، والانقسام الاجتماعي الذي يمزق النسيج الوطني، والانهيار الاقتصادي الذي يُفقر الملايين، والأزمات المتلاحقة التي تغرقها.

آبي أحمد ليس كاذبًا مرضيًا فحسب، ولا جاهلاً بتعقيدات الواقع الذي يدّعي فهمه؛ بل الأشد إثارة للقلق هو العداء العميق الذي يبديه تجاه الشعب الإثيوبي نفسه، وخصوصًا نحو الأمهرة والتيغراي. هذا العداء لا يقتصر على الكلام، بل يترجم إلى سياسات وإجراءات ولامبالاة متعمدة تجاه آلام الناس ومعاناتهم الجماعية. ومكاشفات غيدو أندرغاتشو تُعدّ تحذيرًا صارخًا لكل الإثيوبيين، ولاسيما لأنصار آبي أحمد ومؤيديه وأبواق إعلامه. إنها تُظهر بوضوح ومصداقية عيوب شخصية الرجل الذي يدافعون عنه كقائد، وتُبرز الثمن الباهظ الذي تدفعه تلك البلاد جرّاء هذا الإنكار الجماعي.

تظهر تلك المواجهة التي لم يفرضها أحد سوى كذب آبي أحمد، مدى تواطؤ المجتمع الدولي بالسكوت على جريمة إبادة جماعية كانت على مرأي ومسمع من الجميع، أين كانت كاميرات الإعلام المُسلطة على حروب إبادة مثل غزة التي راح ضحيتها 70 ألف بريء من التيغراي التي تقدر ضحاياها ب600 ألف ضحية في سكوت وإنعزال تام عن الميديا العالمية التي دائما ما تكون حاضرة في إثيوبيا لتصوير إضاءات شارع بوليه، أو ترصد مكاسب الطيران الإثيوبي، أو فعاليات الإتحاد الافريقي في بلد المقر؟!

نستطيع أن نستشف بوضوح من هذا الموقف طبيعة السياسة الإثيوبية في هذه الحقبة (وإن لم تختلف عن حقل سابقة كثيرا)، التي تتسم بالمراوغة والتهرب من المسؤولية في الشأن الداخلي. كما رأيناها في عدة مواقف في سياستها الخارجية تتبع نفس الاسلوب على سبيل المثال لا الحصر: موقف إثيوبيا المتآمر في مفاوضات سد النهضة مع المراوغة منذ بداية الإعلان عن بناء السد. مقارنة بمرونة مصر التي جعلتها تسعى وتنجح في الوصول إلى التوقيع على اتفاق المباديء في 2015 بينما وكان أبلغ مثال على سوء النية، هو انسحابها من التوقيع على اتفاق واشنطن في 2020.

مع قيادة صدامية إنتقامية عنيفة لا يوجد لديها منطق في القتل والتدمير وتعمق الاحتراب الداخلي، ثم تهدد دول الجوار بالاحتلال والاستيلاء على مواردها الطبيعة، ماذا سيفعل العالم وهو يصدر للجميع الإنذار تلو الآخر ويدق طبول الحرب ليل نهار، مهددا استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر معا. هل سيقف العالم متفرجا هذه المرة على آبي أحمد وهو يسفك الدماء، ضاربا بعرض الحائط سيادة جيرانه مثلما فعلها أسلافه في إريتريا، والصومال، والسودان، وكينيا؟

على العالم الإجابة على السؤال في وتيرة أسرع من التي يتبعها ذلك المتعطش للدماء في قصر الحكم بأديس ابابا قبل أن يدفع الجميع الثمن من تهديد للارواح وخنق لواحد من أهم الممرات المائية في العالم وهو البحر الأحمر الذي يمر من خلاله 30% من تجارة الحاويات العالمية. فهذه المرة ان تدفع الشعوب المقهورة في القرن الإفريقي وحدها الثمن يا سادة، الجميع سيدخل الحرب ولو من على أريكة منزله!

 

ذات صلة