مع اقتراب شبح العتمة من شوارع هافانا، تبدو كوبا اليوم أمام أخطر اختبار اقتصادي وسياسي منذ “الفترة الخاصة” في تسعينيات القرن الماضي.
قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات غير مسبوقة على أي دولة تزود كوبا بالنفط، حوّل الضغط الاقتصادي من سياسة تقليدية مزمنة إلى ما يشبه “حصار طاقة” فعلي. ومع امتلاك الجزيرة مخزونًا لا يكفي سوى لأسابيع، يصبح السؤال المركزي: هل يدفع هذا الخنق الاقتصادي النظام الكوبي إلى الانهيار، أم إلى التفاوض، أم إلى تشديد القبضة الأمنية ؟
أطول تجربة ضغط فاشلة
منذ ستينيات القرن الماضي، تمثل كوبا أطول حالة استخدام للعقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث. وعلى مدى أكثر من ستة عقود، أثبتت التجربة أن الضغط الاقتصادي وحده لم ينجح في إسقاط النظام.

خلال الحرب الباردة، تكفّل الاتحاد السوفيتي بتأمين شريان الحياة لهافانا. وبعد انهياره، دخلت البلاد في “الفترة الخاصة” التي شهدت مجاعات ونقصًا حادًا في الوقود والكهرباء، لكن النظام صمد. بل وتمكن لاحقًا من تخفيف الأزمة عبر إصلاحات محدودة واستثمارات أوروبية.
سقوط شبكة الأمان
مع صعود هوغو تشافيز، تحولت فنزويلا إلى الداعم الرئيسي لكوبا، مقابل خدمات سياسية وأمنية. لكن انهيار الاقتصاد الفنزويلي بعد 2013 قلّص هذا الدعم تدريجيًا.
لاحقًا، حاولت روسيا والصين سد الفجوة، لكن دعمهما بقي محدودًا، خاصة بعد انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا وتراجع شهية بكين للاستثمار في مشروع سياسي قليل العائد.
اليوم، لم يبقَ لكوبا سوى المكسيك، التي واصلت تزويدها بالنفط بدوافع أيديولوجية وتاريخية. غير أن تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية وضغوط تجارية مباشرة دفعت حكومة كلوديا شينباوم إلى تعليق شحنات “بيمكس”، لتجد هافانا نفسها بلا أي مصدر موثوق للطاقة.
من العقوبات إلى “الحصار الفعلي”
تعتمد شبكة الكهرباء الكوبية بشكل شبه كامل على النفط المستورد. ومع توقف الإمدادات، يُتوقع أن تشهد البلاد انقطاعات واسعة قد تصل إلى عتمة شاملة بنهاية فبراير.
هنا يتحول الضغط من أرقام في الميزانية إلى واقع يومي يلامس حياة المواطنين، ما يرفع احتمالات الاحتجاجات، لكنه في الوقت نفسه يمنح النظام مبررًا لتشديد القمع تحت ذريعة “التهديد الخارجي”.
لماذا لن يسقط النظام بسهولة؟
رغم قسوة الأزمة، تشير التجربة التاريخية إلى أن البؤس الاقتصادي لا يعني تلقائيًا انهيار النظام. فالدولة الكوبية تمتلك أدوات قمع فعالة، وجهازًا أمنيًا متمرسًا في احتواء الاضطرابات.
كما أن النظام نجح مرارًا في تحويل الغضب الشعبي نحو “العدو الخارجي”، مستثمرًا خطاب الحصار الأميركي لتبرير الإخفاقات الداخلية.
الضغط كأداة تفاوض لا إسقاط
اللافت في هذه الجولة من الضغط ليس شدتها فقط، بل طبيعة الهدف الأميركي. فسياسة ترامب الحالية لا تبدو مهووسة بنشر الديمقراطية بقدر ما تركز على إعادة فرض النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، ومنع تمدد قوى أخرى مثل الصين وروسيا.

بهذا المعنى، قد لا يكون الهدف إسقاط النظام، بل دفعه إلى تقديم تنازلات محدودة: إصلاحات اقتصادية، تعاون أمني، أو تقليص علاقاته مع خصوم واشنطن.
سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول
الانهيار الجزئي دون تغيير سياسي حيث تغرق البلاد في عتمة طويلة، تتدهور الخدمات، لكن النظام ينجح في قمع الاحتجاجات، محملًا واشنطن المسؤولية. النتيجة: أزمة إنسانية أعمق دون مكاسب سياسية أميركية.
السيناريو الثاني
التفاوض البراغماتي (الأرجح) وهو تحت ضغط انقطاع الكهرباء، يذهب قادة كوبا إلى طاولة تفاوض غير معلنة، مقدمين تنازلات محدودة مقابل تخفيف العقوبات النفطية. لا ديمقراطية، بل “صفقة بقاء”.
السيناريو الثالث
التصعيد والفوضى الإقليمية حيث يفشل الضغط في تحقيق تنازلات، وتتصاعد الاضطرابات، ما يدفع واشنطن إلى مزيد من التصعيد، مع مخاطر هجرة جماعية وأزمة إقليمية تشبه أو أسوأ من فنزويلا.
العقوبات
تاريخ كوبا يقول إن العقوبات لا تُسقط الأنظمة، لكنها قد تغيّر سلوكها. الجديد هذه المرة أن واشنطن لم تعد تشترط التحول الديمقراطي، بل القبول بالهيمنة الأميركية وقطع الطريق على المنافسين.
حين تنطفئ الأنوار في هافانا، لن يكون السؤال فقط عن مصير النظام الكوبي، بل عن شكل السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية: هل هي سياسة إسقاط… أم سياسة صفقات تحت الضغط؟
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=3424


