الأكثر قراءة

من طهران إلى نيويورك.. لقاءات سرية بين إبستين وأحمدي نجاد

د. محمد عمر سيف الدين إعلامي وأكاديمي متخصص في...

مفاوضات تحت فوهة السلاح.. النووي الإيراني بين التسوية والانفجار الإقليمي

قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إن واشنطن أجرت "محادثات...

من التحالف إلى الصدام.. وزير خارجية إثيوبيا يفضح آبي أحمد ويتهمه بـ”الكذب”

 الباحثة في الشأن الأفريقي شيرين هلالظهر رئيس الوزراء الإثيوبي...

من التعدين إلى الطاقة النووية.. روسيا وإعادة تشكيل التحالفات الإفريقية

تشهد القارة الإفريقية تحولات استراتيجية متسارعة في مجالات الطاقة...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

غير مصنفغارة ترامب في كاراكاس.. تأثيرات جيوسياسية على الانقسام في أمريكا اللاتينية

غارة ترامب في كاراكاس.. تأثيرات جيوسياسية على الانقسام في أمريكا اللاتينية

في فجر الثالث من يناير 2026، اقتحمت قوات أمريكية كاراكاس، في خطوة صادمة أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو وأحدثت زلزالًا سياسيًا في فنزويلا.

لكن تأثير الغارة لم يقتصر على تغيير السلطة في هذا البلد، بل أعاد تشكيل العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية بأكملها، مظهراً حجم الانقسام العميق بين دول المنطقة، وسط صراع أيديولوجي متصاعد ومخاوف من تقارب بعض الدول مع خصوم واشنطن، خصوصًا الصين.

غارة كاراكاس 

أمريكا اللاتينية لم تكن موحدة قبل الغارة، فالمنطقة تتسم بالانقسامات السياسية والخلافات الشخصية بين قادتها. على سبيل المثال، لم تستأنف المكسيك علاقاتها الدبلوماسية مع الإكوادور بعد أن داهمت قوات الأمن الإكوادورية سفارة المكسيك في كيتو عام 2024، فيما تصاعدت النزاعات التجارية بين الإكوادور وكولومبيا الشهر الماضي. الرئيس البرازيلي السابق للعمال نادراً ما يتحدث مع نظيره الأرجنتيني الليبرتاري، في حين تتبادل كولومبيا والسلفادور الهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي.

تدخل الرئيس دونالد ترامب في المنطقة خلال العام الأول من ولايته الثانية، بطابع مواجهة  أيديولوجي شديد، عمّق هذه الانقسامات. من فرض الرسوم الجمركية والترحيلات الجماعية إلى الضربات الجوية ضد ما وصفته الولايات المتحدة بقوارب تهريب المخدرات، أثبتت الخلافات بين حكومات المنطقة صعوبة التنسيق لمواجهة سياسات واشنطن.

قمة فشلت وغارة أشعلت الانقسامات

سعت المنظمة الإقليمية CELAC، التي تستثني الولايات المتحدة وكندا، إلى عقد قمة لمناقشة سياسة ترامب بشأن الهجرة، لكنها ألغيت بسبب الخلافات الداخلية بين أعضائها. وفي نهاية العام، ألغت جمهورية الدومينيكان قمة الأمريكتين، متذرعة بـ”الانقسامات العميقة التي تعيق الحوار البناء”.

غارة يناير على كاراكاس سرّعت هذه التوجهات. في الأرجنتين، رحب الرئيس خافيير ميلي بالخطوة، كما فعل الرئيس اليميني المنتخب في تشيلي، خوسيه أنطونيو كاست، معتبرين أنها عقاب مستحق لنظام اشتراكي استبدادي.

في المقابل، حذر القادة اليساريون في البرازيل وتشيلي والمكسيك من سابقة تقوض السيادة الوطنية والقانون الدولي. وصف الرئيس التشيلي غابرييل بوريك من يطيع ترامب بـ”الذليلين” الذين يهينون أنفسهم، مؤكدًا على الحساسية التاريخية للأمريكا اللاتينية تجاه التدخلات الأمريكية السابقة.

ما بين مادورو وترامب

في بعض الحالات، لم تكن غارة واشنطن متطابقة تمامًا مع الرواية التاريخية المعتادة للتدخلات الأمريكية. مادورو لم يكن يملك حلفاء كثيرين، حتى من اليسار. فالنظام الفنزويلي نفسه دمّر المؤسسات الديمقراطية وقمع المعارضة وأجبر ثمانية ملايين شخص على مغادرة البلاد، معظمهم إلى دول أمريكيا اللاتينية الأخرى.

ترامب ومادورو

لكن طريقة ترامب في تقديم العملية – باعتبارها استيلاء على الموارد ومبررة بـ”نظرية ترامب المضافة إلى مبدأ مونرو” – عمّقت الاستقطاب الإقليمي وحوّلت النقاش من أزمة الديمقراطية في فنزويلا إلى سلوك الولايات المتحدة نفسها. تعليق مستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر بأن النظام الدولي “تحكمه القوة” لم يخفف مخاوف الدول الصغيرة والمتوسطة.

الانقسام يؤثر على الانتخابات المقبلة

سيظل تأثير الغارة حاضرًا في الانتخابات التي ستشهدها كولومبيا والبرازيل وبيرو هذا العام، حيث يمكن أن يصبح “ملحق ترامب” قضية رمزية: رمز للقيم الديمقراطية من جهة، ودليل على التدخل الإمبريالي من جهة أخرى.

أصبحت الولايات المتحدة محور نقاش داخلي في دول المنطقة، مما يعزز الحلفاء مثل الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا، ويستفز المعارضين مثل الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو.

النفوذ الأمريكي وحدوده

نجاح ترامب السريع في الإطاحة بمادورو كشف قوة واشنطن وحدودها في أمريكا اللاتينية. رغم ذلك، التشرذم الإقليمي يوفر للولايات المتحدة بعض الراحة، كما تفضل الصين الدبلوماسية الثنائية في آسيا والمحيط الهادئ.

استفادت واشنطن من هذا الانقسام في بعض الاتفاقات، مثل إرسال طالبي اللجوء إلى غواتيمالا وأنتيغوا وباربودا، وتمركز القوات الأمريكية في باراغواي. لكن التنسيق الإقليمي سيكون ضروريًا لمواجهة الإجراءات الأمريكية، مثل خفض الرسوم الجمركية أو تخفيف الترحيلات الجماعية.

الصين وأوروبا في مرمى الانقسام

صعود النفوذ الصيني في المنطقة يبرز تحديًا آخر للولايات المتحدة. بكين عززت تجارتها واستثماراتها دون وجود عسكري مباشر، ونجحت في بناء علاقات استراتيجية مع الحكومات المحلية. وقد استفادت الصين من الغارة الأمريكية، حيث عززت صورة واشنطن كقوة متدخلة، في مقابل نهج صيني هادئ وغير مباشر.

حتى أوروبا تسعى لتعزيز روابطها، إذ وقّعت الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة مع ميركوسور، ضامناً البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، في خطوة تعكس رغبة دول المنطقة في خيارات متعددة وتقليل الاعتماد على أي قوة كبرى واحدة.

ترامب

نجاح ترامب أظهر قدرة واشنطن على التأثير، لكنه كشف أيضًا أن الاعتماد على القوة وحدها لن يضمن تحالفًا غربيًا موحدًا في مواجهة المنافسة العالمية. دون اعتماد استراتيجيات اقتصادية وسياسية متعددة الأطراف، ستظل أمريكا اللاتينية منقسمة، وحركة واشنطن في المنطقة محدودة المدى، وسط دول تبحث عن التوازن بين القوى الكبرى.

في أعقاب الغارة، يمكن تصور عدة مسارات محتملة لتطور العلاقات في أمريكا اللاتينية:

  1. تصاعد الانقسامات الإقليمية: قد تستمر الدول في الانقسام إلى معسكرات مؤيدة ومعارضة للولايات المتحدة، ما يزيد صعوبة التنسيق الإقليمي لمواجهة التهديدات المشتركة مثل تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية.
  2. تقارب بعض الدول مع القوى المنافسة: من المرجح أن تستغل دول مثل فنزويلا، والبرازيل أحيانًا، النفوذ الصيني لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية، ما يقلص قدرة واشنطن على فرض إرادتها.
  3. جهود للتعاون الإقليمي: في سيناريو آخر، قد تدفع الحاجة إلى حلول مشتركة للمشكلات العابرة للحدود، مثل الكارتلات والجريمة المنظمة، بعض الدول إلى بناء تحالفات إقليمية قوية تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية، مما يخلق مساحة دبلوماسية جديدة للولايات المتحدة إذا اعتمدت نهجًا متعدد الأطراف.
  4. تأثير على الانتخابات المقبلة: ستصبح سياسات واشنطن وحركة ترامب في المنطقة عاملًا حاسمًا في الحملات الانتخابية، إذ قد يستغلها القادة لتعزيز رؤيتهم للسيادة الوطنية أو للانخراط مع القوى الكبرى الأخرى.

هذه السيناريوهات تبيّن أن أي استراتيجية أمريكية في المنطقة ستواجه تحديًا مزدوجًا: الحاجة إلى القوة العسكرية مقابل أهمية الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.

ذات صلة